إنّ لبنان، الذي طالما تغنّى بـ”هيكله الأكاديمي” ومنظومته التربوية، يواجه اليوم أزمة وجودية تجاوزت كونها “ظاهرة تعاطي عشوائية”. لقد تحولت مؤسساتنا التعليمية إلى “سوق مُحصّنة” يسيطر عليها “رجال الظلّ” التابعون لشبكات الكبتاغون والتهريب. هذا المقال هو وثيقة إدانة مُعلنة، تنطلق من الوقائع الاستقصائية والبيانات الأمنية (2024-2025)، لتثبت أن الجريمة منظمة وتستغل بشكل مباشر الفساد الإداري والتراخي القضائي.
الفضيحة تبدأ من القضاء
القضية لم تعد تتعلق بالطالب المدمن كـ”فرد”، بل بالمنظومة التي تُسلّم الجيل كبضاعة مقابل استمرار “إقتصاد الحصانة” القائم على المليارات. ففي تحليل معمق لثغرات الردع، يتضح أن الدليل الأبرز على تواطؤ المنظومة هو فشلها الذريع في ملاحقة رؤوس شبكات التهريب، مما يضمن تدفق “بضاعة الموت” إلى سوق الطلاب.
إنّ الحكم المخفف الذي صدر بحق البارون المعروف بـ”حسن دقو”، حيث قضت محكمة الجنايات في بيروت (في ديسمبر 2022) بسجنه 7 سنوات فقط رغم ضخامة نشاطه، هو في الواقع “ضوء أخضر قضائي” يسمح بـ” إعادة التموضع” لكبار التجّار . هذا الحكم يتجاهل حجم سوق الكبتاغون الذي يُقدر بمليارات الدولارات (وفق تقديرات الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات INCB 2024)، ويُفقد الأجهزة الأمنية زخمها وسلطتها الرادعة.
المفارقة الأمنية
وعلى صعيد المكافحة الأمنية، فرغم العمليات النوعية التي يقوم بها الجيش اللبناني، مثل إعلان تفكيك “أضخم معمل كبتاغون” في البقاع في يوليو 2025، فإن التقارير الأمنية الإقليمية (أواخر 2025) لا تزال توثق استمرار تدفق شحنات ضخمة من وإلى لبنان. هذه القدرة على التعويض السريع تُؤكد أن شبكات التهريب مدعومة لوجستياً ومالياً، وتضمن الحصانة السياسية لأعمالها، ليظل السم متوفراً للمروجين الصغار.
المدارس المخترقة
بالانتقال إلى البيئة التعليمية، نجد أن الشبكات استغلت الإنهيار الإقتصادي لتوظيف “رجال الظلّ” في المناصب الخدمية، محوّلةً محيط المؤسسات التعليمية من محيط آمن إلى منطقة تسليم مُغطاة.
تكمن الكارثة الأخلاقية والمهنية في تحريات أشارت إليها شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي ونتائج استقصاءات اجتماعية (2024-2025) حول الاستغلال الممنهج لحراس المدارس، عمال النظافة، وسائقي الحافلات المدرسية. هؤلاء الموظفون، الذين لم يعد راتبهم يكفي عائلاتهم، يتحولون إلى “وسطاء آمنين” (Delivery Points) داخل محيط المؤسسات. هذا الفساد الإداري هو الغطاء الأشد خطورة للجريمة؛ حيث يملك الموظف شرعية التواجد ويسهل العملية على الطالب المستهدف.
التستّر الإداري
ويُكمل التراخي الإداري الصورة إذ تظهر تقارير المراكز البحثية اللبنانية حول الفساد الإداري في التعليم (2024) أن إدارات المدارس الخاصة، تحديداً، تتستر على وقائع التعاطي أو الترويج، هدفها الوحيد هو الحفاظ على “السمعة الأكاديمية” وتفادي فقدان الأقساط. هذا التقاعس هو “إهمال إداري جسيم” يضع الإدارة موضع شريك في التستر، ويمنح المروجين “حصانة إدارية” داخل المدرسة نفسها.
انفجار إدماني وقانون إنساني معطّل
إن التواطؤ السياسي والإداري أثمر عن نتائج كارثية يصعب ترميمها، حيث أصبح الطالب اللبناني هو الهدف الاستراتيجي.
وفي تأكيد مروّع، تشير تقديرات جمعيات الدعم العاملة في لبنان، أبرزها جمعية “جاد” (2024)، أن نسبة الإدمان ارتفعت بنحو 400% منذ بداية الانهيار. هذا التضخم الهائل يترافق مع انخفاض سن التعاطي إلى ما دون 15 عاماً. هذه الأرقام تضعنا أمام حقيقة أن الجريمة ليست صدفة، بل منهجية تهدف إلى تدمير القاعدة التعليمية والشبابية للبلاد.
والمأساة تتفاقم في التطبيق القانوني، حيث أن القانون اللبناني رقم 673/1998 يُلزم السلطات بمعاملة المتعاطي الشاب كـ”مريض يستوجب العلاج” بدلاً من الزج به في السجن (المادة 119). لكن التطبيق العملي يُركز على العقوبة، مما يُحول السجون إلى “مدارس للجريمة” يتم فيها تطوير خبرات الترويج، بدلاً من إنقاذ الجيل.
إلى خطوات إنقاذية عاجلة
في الخلاصة ، لا شك أن التراخي في محاسبة أباطرة المخدرات الكبار، وغض الطرف عن فساد الموظفين الصغار، يعني حكماً بالإعدام البطيء على مستقبل لبنان وأجياله الواعدة. هنا، تتخلى الدولة عن دورها الإجتماعي وتُسلّم مسؤولية علاج أبنائها لـ”سوق” القطاع الخاص المُكلف، بينما المسؤولية مشتركة، والنتائج كارثية. وبذلك يتحوّل كل طالب إلى مدمن، بينما السلطة هي أول من يُلزمها العلاج والردع.
لذا، فإن صرخة إنقاذ الهيكل الأكاديمي تتطلب إجراءً فورياً عبر المطالب الحاسمة التالية:
- المحاسبة المزدوجة (القضائية والإدارية): بدء تحقيقات فورية وعاجلة في المؤسسات المشتبه بها وعزل ومحاسبة الموظفين المتواطئين، بالتوازي مع ملاحقة مصادرة أموال الأباطرة المُهربة ورفع الحصانة عنهم.
- صفر تسامح مع التستر: إصدار تعميمات ملزمة من وزارة التربية بوجوب الإبلاغ الفوري عن أي واقعة ترويج، تحت طائلة المساءلة الإدارية والقانونية الجسيمة للإدارة المتسترة.
- تفعيل العلاج كأولوية وطنية: تفعيل لجنة مكافحة الإدمان المنصوص عليها قانوناً، وتوفير التمويل اللازم لتطبيق آلية تحويل الطالب المدمن إلى العلاج، تطبيقاً كاملاً للقانون الإنساني (673/1998)، من أجل إنقاذ الأجيال.

هنا وليد عرابي
كاتبة وباحثة متخصصة بالإقتصاد الموازي والسياسات العامة وقضايا التنمية. حائزة على دكتوراه في العلوم السياسية والإدارية والإقتصادية.
