ليس سؤالًا عابرًا ذاك الذي يسأل: من هم الراسخون في العلم؟ أهم أولئك الذين حصّنوا أنفسهم خلف أسوار المتون والحواشي، واستغرقوا أعمارهم في ضبط الفتوى وتكرار ما قاله السلف، أم هم الذين وسّعوا أفق الإنسان، وغامروا بعقولهم في المجهول، فاخترعوا، واكتشفوا، وأنقذوا أرواحًا من الهلاك؟
في الخطاب الديني التقليدي، تُختصر عبارة “الراسخين في العلم” غالبًا في طائفة من الفقهاء والمتكلمين، كأنما العلم حكرٌ على فقه الطهارة والدماء والميراث، وكأن الرسوخ لا يُنال إلا بحفظ الآراء وتكرار الأقوال. لكن لنتأمل القرآن ذاته: “لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك…” [النساء: 162]
ما الرسوخ هنا؟ أهو ترديد لما نزل، أم هو الإيمان بما نزل والانخراط في فهمه، في تأويله، في تمديد دلالاته ليحتضن حركة الحياة لا أن يُحبس في قيد الزمن؟
لو تأملنا لفظ “الرسوخ” لغويًا، لوجدناه يدل على الثبات العميق، كجذور الشجرة الراسخة في الأرض. فهل الثبات يعني الجمود؟ أم يعني الاتساع في الجذور لتغذية النمو والتفرّع؟ الرسوخ في العلم، إذن، لا يعني التحجر في النص، بل الانفتاح على آفاقه، واستخراج معانيه المتجددة التي تتفاعل مع واقع الإنسان المتغير.
لذلك، حين ننظر إلى العلماء الذين طوّروا الطب وأنقذوا ملايين الأرواح، إلى من فتحوا أبواب الطاقة، والاتصالات، وعلوم الأحياء، وصنعوا أدوات فهم الكون والإنسان—أليس هؤلاء من الراسخين في العلم؟ أليسوا هم من تجسد فيهم معنى “العلم الذي ينفع الناس”؟
القرآن ذاته لا يحصر العلم في فقه الشعائر، بل يقول: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات” [المجادلة: 11] ولم يقل: “أوتوا الفقه”، بل “العلم” مطلقًا، بما يشمل علم الأنفس والآفاق، والمادة والروح، والوجود والعدم. علمٌ لا يُقاس بمدى مطابقة الفتوى لما قاله فلان، بل بقدر ما يضيف للحياة، ويضيء عتمة الجهل، ويحرر الإنسان من قيد الأسطورة والخوف.
الفقيه الذي يكرّس جهده لتكفير المختلف، ولإنتاج الأحكام حول النساء والرق والردة، دون أن يفتح أفقًا جديدًا لفهم العالم، لا يمكن أن يُدعى راسخًا في العلم، حتى وإن حفِظ المتون عن ظهر قلب. بينما العالِم الذي يبتكر لقاحًا، أو يضع نظرية فيزيائية تفسر أصل الكون، أو يُبرمج خوارزمية تنقذ بيانات البشرية، هو أقرب إلى جوهر الرسوخ، لأنه يغوص في المجهول، ويخرج للناس بعلمٍ مفيد.
الرسوخ في العلم ليس لقبًا يُمنح من سلطة دينية، بل حالة وجودية عقلية معرفية، يصل إليها من يغامر بعقله، ويسعى للحق، ويملك شجاعة السؤال. إنه ليس كثرة الحفظ، بل عمق الفهم. وليس في تكرار الماضي، بل في صناعة المستقبل.
الراسخ في العلم هو الذي يعرف أن للعلم وظيفة أخلاقية: تحرير الإنسان، ورفع وعيه، وتحقيق كرامته. ولذلك، فإن نيوتن، وباستور، وأينشتاين، وابن الهيثم، والكندي، وجابر بن حيان، هم من الراسخين في العلم. فالعلم ليس حكرًا على محراب، بل هو نورٌ في المعمل، وفي المرصد، وفي الكتاب، وفي الذرة. والراسخون في العلم هم حاملو هذا النور، لا من يطفئه باسم القداسة.
في زمن الأزمات الوجودية، نحن في حاجة إلى إعادة تعريف “الراسخ في العلم”، ليس كموقع سلطوي في الدين، بل كحالة من العقلانية المتجذرة، والبحث الحر، والمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان والحياة. وهنا يجدر بنا أن نعيد تفكيك العلاقة بين العلم والدين، بين العقل والنص، بين الفقيه والعالِم. لقد حوّلنا مفردة “العلم” إلى رداء ديني حصري، ونسينا أن أول آية نزلت من القرآن كانت: “اقرأ”، لا “اتبع”. وأنها وجهت الإنسان نحو الفعل العقلي الأول: الاكتشاف. فلو كان الله يريد لنا الاتّباع قبل السؤال، لقال “اتّبع باسم ربك”، لا “اقرأ باسم ربك”.
إن الرسوخ في العلم لا يمكن أن يكون مجرّد اجترار لموروث فقهي، لأن الموروث ذاته كان، في لحظة من اللحظات، اجتهادًا حديثًا على عصره. فهل نُقدّس اجتهادات الأسلاف ونجمّد عقولنا عن الاجتهاد؟ أم نسير على خطاهم لا بتمجيد نتائجهم بل باقتفاء طريقهم في الفكر والبحث والتجديد؟
لقد أُغلق باب الاجتهاد باسم الحفاظ على الدين، ولكن الحقيقة أن إغلاقه هو ما أدى إلى تجميد الدين ذاته، وجعله معزولًا عن نبض العصر، وكأن الله أنزل شريعته لعالمٍ توقف عند القرن الرابع الهجري. ومع هذا الجمود، تسرّب الوهم إلى العقول، وأصبح “الراسخ في العلم” عند الناس هو من يتقن الجدل اللفظي، ويستطيع أن يقتبس أقوال “العلماء السابقين” كما يُقتبس الشعر، لا من يطرح أسئلة العصر ويقدم حلولًا واقعية تنقذ الإنسان من الجهل والفقر والمرض.
انظر إلى المفارقة: حين يتحدث أحد علماء الطبيعة عن نظريته في الجاذبية أو التطور، تقوم الدنيا في بعض الدوائر التقليدية وتُتهم هذه العقول بالإلحاد، بينما تُمنح صكوك الرسوخ في العلم لأولئك الذين يحلّلون شكل اللباس، وطول اللحية، وتفاصيل الحيض والنفاس! وهنا نسأل: متى أُفرغ الدين من جوهره الإنساني؟ متى أصبح “العالِم” هو من يقضي عمره في حدود النص، لا في انفتاح العقل؟
الرسوخ في العلم لا يعني أبدًا الوقوف على ضفاف المألوف، بل هو غوص في العمق المجهول، وجرأة في المواجهة، وشجاعة في كسر النمط. الرسوخ يعني أن لا تأخذ شيئًا على أنه يقين لمجرد أنه قيل، بل أن تُخضعه للسؤال والتمحيص والتجريب.
العالِم الحق لا يخشى أن يتغير، لأن العلم في جوهره حركة لا سكون، وقلق لا راحة، وتحوّل لا ثبات. كل قانون علمي وُضع ليُكسر حين يأتي قانون أعمق وأشمل، فكيف نتوهم أننا نملك الحقيقة المطلقة في الفقه والتفسير ونحن لا نزال نجهل معظم أسرار الكون؟
من هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم “الراسخ في العلم” هي خطوة ضرورية لإعادة التوازن بين الدين والعقل، بين النص والواقع. نحن لا ندعو إلى إقصاء الفقهاء، بل ندعو إلى تحريرهم من أسر التراث، ليصبحوا مفكرين لا ناقلين، مجددين لا مقلدين.
ونحن لا نعلي من شأن العلماء الطبيعيين على حساب علماء الدين، بل ندعو إلى وصل ما انقطع: أن يعود “العالم” كما كان في الإسلام الأول، موسوعيًا، ينظر إلى النجوم بقدر ما يتأمل في آيات الكتاب. فابن سينا، وابن رشد، والفارابي، لم يكونوا فقهاء فقط، بل كانوا فلاسفة، وأطباء، ومهندسين، ومفسّرين… كانوا يعتقدون أن الحقيقة لا تعرف الانقسام بين ديني وطبيعي، بل إن الحقيقة واحدة، تتجلى في كل شيء.
وهنا تظهر الحاجة إلى “عالم جديد”، راسخ في العلم، لا يهاب المراجعة، ولا يخاف من العقل، ولا يقدّس الماضي على حساب المستقبل. عالمٌ يرى في الإنسان مركزًا للتكليف لا مجرد تابع، ويرى في المعرفة تكليفًا لا ترفًا، ويرى أن إيمانه لا يكتمل إلا إذا كان في قلبه عقل، وفي عقله سؤال، وفي سؤاله نور.
أليس من المفارقة أن تُطلق لفظة “الراسخين في العلم” على من يُفتي بحرمة الاستنساخ أو التلقيح الصناعي دون معرفة علمية حقيقية، بينما يُقصى علماء الجينات، والفيزياء، والكيمياء، الذين يملكون الأدوات الفعلية لفهم الحياة وتطويرها؟ هؤلاء الأخيرون لا يُذكرون في منابر الدين، ولا يُحتفى بهم في مناهج التدريس، وكأنهم عالة على الأمة، لا أعمدتها.
لقد آن الأوان أن نعيد تعريف العلم، لا بوصفه مجموعة أحكام شرعية، بل باعتباره نشاطًا إنسانيًا مستمرًا، يبحث في الكون والإنسان والوجود، ويعبر من الظن إلى البرهان. وآن الأوان أن نُعيد إلى الأذهان أن العقل ليس خصمًا للوحي، بل شريكه في الفهم، ووسيلته في الترجمة، وأن أعظم ما وهبه الله للإنسان بعد الحياة، هو القدرة على التأمل، وعلى أن يقول: “لِمَ؟” و”كيف؟” و”هل هذا صحيح؟”.
فمن يملك هذه الشجاعة في السؤال، ويبحث بإخلاص، ويضيف للبشرية معرفة تنقذهم من المرض، أو جهل، أو استعباد—ذلك هو الراسخ في العلم، ولو لم يلبس عمامة، ولم يجلس على منبر، ولم يُلقِ موعظة. بينما من يكرّس وقته في تكفير الآخر، ويغرق في تفاصيل فقهية تجاوزها الزمان، دون أن يسأل: ما فائدة هذا الفقه لإنسان اليوم؟ فهو بعيد عن الرسوخ، وإن سمّوه “شيخ الإسلام”.
الراسخون في العلم ليسوا جماعة نخبوية مغلقة، بل كل من سلك طريق المعرفة بنية الحقيقة والإنقاذ. هم أولئك الذين يرون في العلم عبادة، وفي العقل نعمة، وفي الإنسان قيمة. فدعونا نعيد للمصطلحات روحها، وللمعرفة وهجها، وللدين إنسانيته، لعلنا نكون بحق من الذين “يرفعهم الله درجات”، لا من الذين تحبسهم نصوص الماضي عن نور المستقبل.

د. محمد ترحيني
كاتب لبناني حاصل على شهادة الدكتوراه في السيكولوجيا والسوسيولوجيا، ومدير مركز التنوير للدراسات الفكرية والتحقيق، وراعي للحوار بين الأديان والحضارات على المستوى العالمي. عضو في "اللقاء الروحي" في لبنان، ومشارك في أكثر من خمسين مؤتمراً داخل لبنان وخارجه، مع تركيز على حوار الأديان والأقليات الدينية، ونشر قيم الوسطية والاعتدال.
