في توقيت يوصف بـ”بالغ الحساسية”، وبعد مرور أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار الهش في نوفمبر 2024، أتمّ الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان جولة “طوارئ دبلوماسية” خاطفة في بيروت. الزيارة، التي لم تكن بروتوكولية بل تحمل طابع الإنذار، جاءت في ظل تصاعد محموم لـ”الخروقات الإسرائيلية” ومخاوف جدية من عودة المنطقة إلى سيناريو “الحرب الموسعة”.
لقد كشف تحليل الكواليس الدبلوماسية أن الأجندة الفرنسية كانت تهدف إلى ما هو أعمق بكثير من مجرد “بحث التطورات”، بل كانت سباقاً مع الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل الانهيار.
ثلاثية الأهداف الحقيقية: إنقاذ الآلية ودرء الحرب
بينما أُعلنت الزيارة رسمياً للتحضير لمؤتمر دعم الجيش اللبناني، تكشف مصادر مطلعة أن الأهداف الحقيقية للزيارة تمحورت حول ثلاث نقاط استراتيجية:
- إنقاذ “الميكانيزم” من التفكك: تعمل باريس على تثبيت “لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية”، المعروفة باسم (الميكانيزم). كان الهدف الجوهري للودريان دعم الخطوة “الذكية” التي اتخذها لبنان بتعيين شخصية مدنية ودبلوماسية، هي السفير السابق سيمون كرم، لقيادة الوفد المفاوض. هذه الخطوة، التي نالت ترحيب لودريان خلال لقائه بالرئيس جوزاف عون، تعد تكتيكاً لقطع الطريق على الحجة الإسرائيلية بأن اللجنة ذات طابع عسكري صرف، وبالتالي تحويل المسار إلى تفاوض منتج.
- منع إسرائيل من “فرض واقع جديد”: تلقت العواصم الأوروبية إشارات قوية حول نية إسرائيل توسيع عملياتها بشكل قد يهدد اتفاق تشرين الثاني 2024. جاء لورديان حاملاً رسالة مزدوجة؛ لبيروت: “عليكم سحب الذرائع”، ولإسرائيل (عبر القنوات الدبلوماسية): “الجيش اللبناني ينتشر بجدية وبدعم دولي”. الهدف هنا ليس إنهاء الأزمة، بل منع تصعيدها إلى نقطة اللاعودة.
- الإصلاحات أولاً، ثم الدعم المالي: مؤتمر دعم الجيش المزمع عقده مطلع 2026 ليس مكافأة، بل أداة ضغط. أشار لودريان بوضوح إلى أن المساعدات مرهونة بالتزام القيادة الجديدة للجيش (بقيادة العماد رودولف هيكل) والعهد الرئاسي الجديد بخطة “حصر السلاح بيد الدولة” وإحراز تقدم في ملفات الإصلاحات الأساسية.
الحصاد الدبلوماسي: غطاء سياسي لا ضمان ميداني
رغم ثقل الأجندة، يمكن تلخيص إنجازات الجولة الفرنسية في نتائج دبلوماسية مهمة، لكنها لم تمنح لبنان ضمانة ميدانية شاملة:
- شهادة حسن سلوك للجيش: نجح لودريان في توفير غطاء دولي متجدد لخطة الجيش اللبناني للانتشار جنوب الليطاني. إشادة الموفد الفرنسي بما سمعه من قائد الجيش حول “عدم طلب تمديد المهل” وجهود تفكيك المنشآت العسكرية، تعتبر بمثابة “شهادة حسن سلوك” يمكن استخدامها في مجلس الأمن ضد السردية الإسرائيلية.
- مباركة التكتيك الرئاسي: حظيت خطوة الرئيس عون وبري وسلام بتعيين مدني لقيادة وفد التفاوض بمباركة فرنسية، واعتبرتها باريس خطوة ذكية لـسحب فتيل التوتر العسكري المباشر من قلب لجنة المراقبة.
- تأجيل الدعم المالي: تم تثبيت العزم على عقد مؤتمر الدعم، لكن الأموال والعتاد رُحّلت إلى العام المقبل، وبقيت مرهونة باستمرار الهدوء النسبي والالتزام بمسار الإصلاح.
الرد الإسرائيلي: التشكيك والتمسك بالتهديد
على الجانب المقابل، وثقت مصادر دبلوماسية رد فعل إسرائيلياً يتسم بالتشكيك والتحفظ الشديد على نتائج الزيارة الفرنسية.
تشير تحليلات إعلامية عبرية إلى أن تل أبيب ترى أن جهود الجيش اللبناني، رغم الإشادة الفرنسية بها، تظل “جهوداً شكلية” لا ترقى إلى مستوى تفكيك البنية التحتية العسكرية لحزب الله جنوب الليطاني.
الموقف الإسرائيلي يصر على أن التهديد الحقيقي يكمن في وجود السلاح خارج سيطرة الدولة، وبالتالي فإن تعيين شخصيات مدنية في لجنة المراقبة يعتبر تغييراً في الشكل وليس في المضمون الاستراتيجي. هذا التباين يؤكد أن إسرائيل متمسكة بورقة التهديد العسكري كأداة ضغط قصوى ما لم يتم استيفاء شروطها الأمنية كاملة.
“جرعة أوكسجين” للاتفاق الهش
خلاصة القول، تتقاطع التحليلات الصحفية، بدءاً من “لوريان توداي” وصولاً إلى الأوساط المقربة من عين التينة، عند استنتاج واحد: لودريان “نجح في التهدئة الدبلوماسية، لكنه لم يضمن التهدئة الميدانية”.
زيارة الموفد الفرنسي هي في جوهرها “جرعة أوكسجين” أعطيت لاتفاق وقف إطلاق نار يعاني من قصور تنفس حاد. لقد هدفت إلى تقوية موقف الدولة اللبنانية والجيش ورئاسة الجمهورية، لكنها لم تحمل “عصا سحرية” لوقف الاعتداءات الإسرائيلية فوراً، مؤكدة أن “الكرة الآن في ملعب إسرائيل” وأن أي فشل سيتحمله الجانب المهاجم وحده.
سيغادر لودريان بيروت تاركاً وراءه قناعة بأن لبنان يصارع على جبهتين: تثبيت الهدنة على الحدود، ومواجهة الانهيار المالي في الداخل، وكلاهما يتطلب إرادة سياسية دولية لا تزال حذرة ومترقبة.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
