الحرب تتمدّد… والحوثيون يفتحون جبهة جديدة

يُعدّ دخول الحوثيين على خط المواجهة تحوّلاً نوعياً يحمل في طيّاته تداعيات عميقة قد تمتد آثارها إلى مختلف أرجاء المنطقة. فهذه الخطوة تعني، وفق منطق التحليل العسكري الاستراتيجي، أن الصراع لم يعد محصوراً ضمن جبهات تقليدية واضحة المعالم، بل بات أقرب إلى شبكة مترابطة من الساحات القابلة للاشتعال في أي لحظة، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضاعف احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع متعددة المستويات.

تتمثل أولى هذه التداعيات في إعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي. فإطلاق صاروخ من اليمن باتجاه إسرائيل، حتى وإن جرى اعتراضه، يثبت أن المسافة الجغرافية لم تعد عائقاً أساسياً أمام الانخراط في الصراع. وهذا التطور يفرض على إسرائيل إعادة حساباتها الدفاعية، ليس فقط على مستوى حدودها المباشرة، بل على امتداد مساحات أوسع تشمل البحر الأحمر والعمق الجنوبي. كما يمنح هذا التحول الحوثيين ورقة ضغط إضافية، ويعزّز موقعهم التفاوضي في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق باليمن أو بالمنطقة ككل.

أما على مستوى الممرات البحرية، فإن التهديد المحتمل لمضيق باب المندب يمثل أحد أخطر السيناريوهات المطروحة. فهذا المضيق يُعد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، على غرار مضيق هرمز، وأي اضطراب فيه قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين، وربما إلى إعادة توجيه مسارات السفن عبر طرق أطول وأكثر كلفة. ومثل هذا التطور لن يؤثر فقط على دول المنطقة، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل هشاشة سلاسل الإمداد التي لم تتعافَ بالكامل من أزمات سابقة. كما أن أي استهداف للسفن قد يستدعي تدخّلاً عسكرياً دولياً أوسع لحماية الملاحة البحرية، ما يزيد من احتمالات الاحتكاك بين قوى متعددة في مساحة جغرافية ضيقة.

سياسياً، يضع هذا التصعيد دول الخليج أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، هناك رغبة في تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تعيد المنطقة إلى أجواء التوتر الحاد، ومن جهة أخرى، هناك حاجة ملحّة لحماية المصالح الأمنية والاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بأمن الطاقة والممرات البحرية. هذا التوازن الصعب قد يدفع بعض الدول إلى تعزيز التنسيق الأمني مع القوى الدولية، أو إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه النزاعات الإقليمية، بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة التي فرضها اتساع نطاق الصراع.

كما أن دخول الحوثيين يعزّز مفهوم «تعدد الجبهات»، حيث يمكن لأي تصعيد في نقطة معينة أن ينعكس بسرعة على نقاط أخرى. هذا النمط من المواجهات يفرض ضغوطاً هائلة على صناع القرار، لأن أي رد عسكري قد يؤدي إلى سلسلة من الردود المتبادلة عبر ساحات مختلفة، من دون وجود خطوط فصل واضحة. وفي ظل هذا التشابك، يصبح من الصعب احتواء التصعيد ضمن إطار جغرافي أو زمني محدد، ما يرفع من مستوى المخاطر المرتبطة بسوء التقدير الاستراتيجي.

على المستوى الاقتصادي، لا تقتصر التداعيات على الملاحة البحرية فحسب، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والتأمين والاستثمار. فزيادة المخاطر الجيوسياسية تؤدي عادة إلى تقلبات حادة في أسعار النفط، وارتفاع في كلفة التأمين على السفن والبنية التحتية الحيوية. كما أن حالة عدم الاستقرار قد تدفع المستثمرين إلى التريث أو سحب استثماراتهم من مناطق التوتر، ما ينعكس سلبًا على اقتصادات تعاني أصلًا من تحديات داخلية متفاقمة.

أما على المستوى الإنساني، فإن أي توسّع في دائرة الصراع يحمل معه مخاطر تفاقم الأوضاع في مناطق هشة مثل اليمن، حيث يعاني السكان أصلاً من أزمات إنسانية معقّدة. كما أن اتساع رقعة المواجهة قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة أو إلى تدهور إضافي في الخدمات الأساسية، ما يضع عبئاً إضافياً على المنظمات الإنسانية والدول المجاورة.

وعليه، لا تكمن خطورة هذا التطور في الحدث ذاته بقدر ما تكمن في المسارات التي قد يفتحها. فدخول لاعب جديد إلى ساحة متشابكة أصلاً يعني زيادة احتمالات سوء التقدير، وتضاؤل فرص السيطرة على وتيرة التصعيد. وبينما قد تسعى بعض الأطراف إلى استخدام هذا التصعيد كأداة ضغط أو ردع، يبقى الخطر الأكبر في أن تتحول هذه الحسابات المتبادلة إلى شرارة لصراع إقليمي أو حتى دولي أوسع، يصعب احتواؤه بمجرد أدوات الردع التقليدية أو الوساطات السياسية المحدودة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.