حيث تتزاحم الأزمات اللبنانية مجدداً وتتعمّق الأسئلة حول مستقبل الدولة وبنيتها وقدرتها على الاستمرار، تبرز الحاجة إلى نقاش دستوري جدي لا يكتفي بمقاربة نتائج الانهيار، بل يذهب إلى جذوره البنيوية. وفي هذا السياق، تأتي ندوة «دستور لبنان… تعديل أم تغيير؟» ضمن أنشطة «هيئة إعداد الدستور» التي أطلقتها جمعية «صون حق التعبير» في الأسبوع الأخير من عام 2025، بوصفها محاولة لفتح نقاش عام حول معنى الدستور، ووظيفته، وحدود الإصلاح الممكن ضمن النصوص القائمة، أو الحاجة إلى انتقال دستوري أعمق.
وتُعقد الندوة بمبادرة من الأستاذ جوزيف ونّيس، مؤسس مركز دايزي الثقافي، في المكتبة العامة التابعة للمركز، في خطوة تعكس أهمية تحويل النقاش الدستوري من شأن نخبوي مغلق إلى مساحة حوارية مفتوحة أمام المهتمين بالشأن العام اللبناني. فالحديث عن الدستور، في بلد كلبنان، لا يمكن أن يبقى محصوراً بين القانونيين والسياسيين، لأن الأزمة التي يعيشها اللبنانيون لم تعد أزمة نصوص فقط، بل أزمة نظام، ومؤسسات، وثقة، ومواطنة.
وسيقدّم الندوة الأستاذ وليد المحب، مؤسس جمعية «صون حق التعبير» والمتخصص في الإبداع السياسي، حيث يعرض جدولاً مفصلاً يضيء على المعايير العلمية الدستورية، ويقارنها ضمن ثلاث محطات أساسية: دستور 1926، واتفاق الطائف، والدستور العصري المرتجى. ولا تهدف هذه المقارنة إلى استعادة الماضي من زاوية تاريخية فحسب، بل إلى قياس قدرة كل صيغة دستورية على إنتاج دولة عادلة، مستقرة، وقادرة على إدارة التنوع اللبناني خارج منطق التعطيل والمحاصصة.
وتكتسب الندوة أهميتها من كونها تسعى إلى إجلاء الالتباسات التي تحيط بفكرة الانتقال الدستوري في لبنان. فالدعوة إلى التفكير في تعديل الدستور أو تغييره لا تعني بالضرورة القفز فوق الوقائع أو فتح باب الفوضى، بل قد تكون مدخلاً إلى نقاش أكثر عمقاً حول ما إذا كانت المشكلة اللبنانية قابلة للمعالجة داخل البنية الدستورية القائمة، أم أن الخلل بات يتطلب تصوراً جديداً لعلاقة المواطن بالدولة، ولتوزيع السلطات، ولمفهوم التمثيل، ولضمان الحقوق والحريات.
ومن المنتظر أن يحضر الندوة عدد من المهتمين بالشأن العام اللبناني، على أن يُفتح حوار مباشر معهم حول الأفكار المطروحة، فيما يشارك عدد من المغتربين اللبنانيين عبر تقنية Zoom، بما يمنح النقاش بعداً أوسع يتجاوز الجغرافيا المحلية. فلبنان، في أزمته الراهنة، لم يعد شأناً داخلياً لمن يقيمون فيه فقط، بل بات هاجساً مشتركاً بين المقيمين والمغتربين الذين ما زالوا يرون في هذا الوطن مساحة هوية وانتماء ورسالة.
كما سيتم بث الندوة مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في إطار مسعى أوسع لنشر الوعي الدستوري لدى النخب اللبنانية والمهتمين بالشأن العام. ذلك أن الثقافة الدستورية في لبنان بقيت، لعقود طويلة، أسيرة الاستخدام السياسي للنصوص، لا الفهم العلمي لوظيفتها. وغالباً ما جرى التعامل مع الدستور كأداة للمناورة أو التعطيل أو تقاسم النفوذ، بدل أن يكون عقداً اجتماعياً ينظّم العلاقة بين المواطنين والدولة، ويضمن المساواة، ويمنع احتكار السلطة باسم الطائفة أو الزعامة أو القوة.
وتنطلق الندوة من فرضية أساسية مفادها أن لبنان يواجه مشكلة بنيوية لا تكفي معها المعالجات الجزئية أو التسويات المؤقتة. فالانهيار الذي أصاب الدولة ومؤسساتها وثقة المواطنين بها لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي الذي أُنتج وأُعيد إنتاجه تحت عناوين مختلفة، من دستور 1926 إلى اتفاق الطائف، وصولاً إلى الممارسة السياسية الراهنة التي حوّلت كثيراً من المبادئ الدستورية إلى نصوص معلّقة أو قابلة للتأويل بحسب موازين القوى.
وتأتي هذه الدعوة إلى النقاش الدستوري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تشهد المنطقة اضطرابات وتحولات كبرى تطرح أسئلة مصيرية حول مستقبل الكيانات والدول الصغيرة، وفي طليعتها لبنان. ومن هنا يبدو البحث في الدستور ضرورة وطنية تتصل بسؤال البقاء نفسه: أي دولة يمكن أن تحمي لبنان؟ وأي دستور يمكن أن ينتج مواطنة حقيقية لا رعايا طوائف؟ وأي صيغة سياسية قادرة على تحويل التنوع اللبناني من مصدر خوف إلى مصدر قوة؟
ومن الأفكار الأساسية التي تسعى الندوة إلى ترسيخها أن السياسة ليست، في جوهرها، ممارسة قبيحة كما ترسّخت في وعي كثيرين نتيجة عقود من الزبائنية والطائفية والفساد، بل هي علم يمكن أن يحمل الخير العام إذا استند إلى قواعد واضحة، ومؤسسات عادلة، ومفاهيم حديثة في إدارة السلطة والمجتمع. فالسياسة، حين تتحرر من منطق الغلبة والمحاصصة، تصبح أداة لبناء معادلة رابح ـ رابح، لا ساحة لصراع دائم بين جماعات قلقة على حصصها ومواقعها.
وفي هذا المعنى، تسعى الندوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة «السياسة الحلوة»، أي السياسة التي لا تقوم على الإقصاء أو التخويف أو استنزاف المجتمع، بل على الجاذبية، والإقناع، والشراكة، وإنتاج الحلول. وهي مقاربة ترى أن الدساتير الحديثة لا تكتفي بتنظيم السلطات، بل تؤسس لثقافة سياسية جديدة، قادرة على نقل المجتمع من منطق الزعيم والطائفة إلى منطق المواطن والدولة.
لذلك، فإن ندوة «دستور لبنان… تعديل أم تغيير؟» تفتح باباً واسعاً أمام سؤال وطني أكثر عمقاً: هل يمكن إنقاذ لبنان من داخل بنيته الدستورية الحالية، أم أن البلاد تحتاج إلى عقد جديد يؤسس لدولة مدنية عادلة، لا تكون مصممة للطوائف بل للمواطنين؟ وبين التعديل والتغيير، يبدو الأهم أن يبدأ اللبنانيون في استعادة حقهم في التفكير بمستقبل دولتهم، لا بوصفه قدراً مفروضاً، بل مشروعاً قابلاً لإعادة البناء.
وفي بلد أنهكته التسويات المؤقتة، تبدو العودة إلى السؤال الدستوري بداية ضرورية لأي إصلاح حقيقي. فالدساتير ليست نصوصاً جامدة، بل مرايا تعكس تصور الشعوب لذاتها ولمستقبلها. وإذا كان لبنان قد دفع ثمناً باهظاً لنظام لم ينجح في حماية الدولة ولا في إنصاف المواطنين، فإن فتح النقاش حول دستور عصري مرتجى قد يكون الخطوة الأولى نحو استعادة السياسة معناها النبيل، واستعادة الوطن قدرته على الحياة.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
