تختصر صفحات الماضي تفاصيل الحاضر الذي نعيشه، وكأن الزمن تجمّد في بقعة جغرافية كُتب عليها «القلق الدائم»، إذ لم يتغيّر المشهد كثيراً منذ صباح يوم الأربعاء الواقع في 28 تموز عام 1993، حين خرجت صحيفة «السفير» بعنوانها العريض تتحدث عن القصف والتهجير وتدمير الجنوب اللبناني، وكأن اللبنانيين لم يغادروا تلك اللحظة حتى اليوم.
فالصفحة التي يُفترض أنها جزء من الأرشيف، تبدو اليوم أقرب إلى نشرة أخبار صباحية، ليس فقط لأن اللغة السياسية ما تزال نفسها، بل لأن الألم ذاته ما زال يتكرّر فوق الأرض نفسها، وبين البيوت نفسها، وعلى وجوه الناس أنفسهم.
وتبرز في تلك الصفحة القديمة مفردات اعتاد اللبناني سماعها، مثل: «الاجتياح»، و«تدمير الجنوب»، و«تهجير الأهالي»، و«الأمن الإسرائيلي»، و«حق الدفاع عن النفس»، وغيرها الكثير، وهي المفردات ذاتها التي تتكرر، بعد أكثر من ثلاثة عقود، في نشرات الأخبار والبيانات الدولية والتغطيات الإعلامية.
وتُثبت الوقائع أن المنطقة تدور داخل حلقة مغلقة، تُعاد فيها الأحداث بأسماء عمليات عسكرية مختلفة، لكن بالنتائج نفسها. فقد جسّدت عملية «تصفية الحساب» عام 1993، التي استمرت سبعة أيام متواصلة وأدت إلى نزوح أكثر من مئتي ألف مواطن وتدمير آلاف المنازل، بداية سلسلة من الاعتداءات الممنهجة.
ولم يقتصر هذا النهج على الآلة العسكرية وحدها، بل تعداها إلى محاولات جرف القرى، وتدنيس المدافن، واقتلاع أشجار الزيتون المعمّرة وسرقتها، في تجسيد صارخ لواقع أليم لا يستهدف الحجر والبشر فحسب، بل يسعى، طامعاً، إلى محو ذاكرة ابن هذه الأرض، واقتلاع تاريخه من وجدانه. وقد أصبح هذا الإرث من الخوف الجماعي والتهجير القسري يتوارثه الناس جيلاً بعد جيل.
ويكمن الجانب الأكثر إيلاماً في هذا التكرار في الخطاب السياسي والإعلامي الذي يرافق العدوان دائماً، حيث يُعاد إنتاج الرواية ذاتها في كل مواجهة، فتُقدَّم إسرائيل كدولة «قلقة وخائفة» تبحث عن الأمن، بينما يُطلب من أهل الأرض أن يبرّروا حقهم في البقاء فوق أرضهم، وأن يثبتوا للعالم أنهم ليسوا سبب المأساة التي يعيشونها.
وتظهر خطورة هذه السردية في محاولتها قلب المشهد وتحويل المعتدي إلى صاحب هواجس أمنية، بينما يصبح الضحية موضع مساءلة دائمة، وكأن التهجير والقتل والتدمير مجرد ردّ فعل طبيعي يمكن تفهّمه أو تبريره. وهو ما تجلّى لاحقاً، بعد عملية «تصفية الحساب» عام 1993، في عدوان نيسان عام 1996 ومجزرة قانا الأولى التي راح ضحيتها أكثر من مئة شهيد مدني أعزل احتموا بمركز لقوات الأمم المتحدة. ورغم ذلك، جرى التعامل مع أشلاء الضحايا كخطأ تقني قابل للتجاوز، وصولاً إلى حرب تموز عام 2006، وما تلاها من تصعيد مستمر، حيث بقي الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للعنف والخوف والرسائل السياسية بالنار والدم.
ويفرض السؤال نفسه اليوم بقوة حول الأسباب التي تجعل التاريخ يعيد نفسه بهذه القسوة. ولعلّ الإجابة تكمن في أن جذور الصراع لم تُعالج أصلاً، ولأن المنطقة بقيت رهينة موازين القوة لا موازين العدالة، فضلاً عن أن غياب محاسبة حقيقية على الانتهاكات السابقة، والخرق المستمر للقرارات الدولية، كالقرار 425 سابقاً والقرار 1701 لاحقاً، جعلا تكرار هذه الاعتداءات ممكناً، بل متوقعاً وعادياً عند البعض. فعندما يمرّ الدمار والتهجير وقتل الأبرياء بلا مساءلة قانونية، يصبح تكراره جزءاً من المشهد السياسي المعتاد في دول العالم أجمع.
وفي سياق متصل، يبرز النقاش حول فكرة «إسرائيل الكبرى» بوصفه موضوعاً معقّداً ومثيراً للجدل سياسياً وتاريخياً، حيث توجد بالفعل تيارات وأفكار لدى بعض الجماعات القومية والدينية المتشددة في إسرائيل تتحدث تاريخياً عن توسيع النفوذ، أو تستند إلى تصورات دينية وجغرافية أوسع من حدود الدولة الحالية.
ومع ذلك، يرى كثيرون في العالم العربي أن استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، والتهديد بالاستيطان في جنوب لبنان، والحروب المتكررة، ومحاولات فرض وقائع ديموغرافية وعسكرية جديدة على الأرض، كلها مؤشرات تعزّز الشعور بأن هناك مشروعاً توسعياً يتجاوز مجرد الدفاع الأمني عن إسرائيل. ولا ينطلق هذا الشعور من فراغ، بل يستند إلى تراكم طويل من الحروب والخرائط والسياسات التي جعلت قطاعات واسعة من شعوب المنطقة تنظر بريبة عميقة إلى النوايا الإسرائيلية بعيدة المدى.
تلك النوايا التي تتجلّى ميدانياً في سياسة الأرض المحروقة، حيث يصبح جرف القرى، واستهداف المدافن، واقتلاع أشجار الزيتون وسرقتها، أدوات ممنهجة لطمس الهوية الجغرافية والتاريخية، ومحاولة بائسة لقطع صلة الوصل بين الإنسان وأرضه، وتجريده من ذاكرته الحيّة.
وتتجلّى القيمة الحقيقية لتلك الصفحة القديمة من جريدة «السفير» في كونها شهادة على ذاكرة لم تنتهِ، لا مجرد وثيقة تاريخية طواها الزمن. فهي تذكير صارخ بأن الشعوب لا تخاف فقط من الحرب، بل من أن يتحوّل الألم إلى قدر دائم، ومن أن يصبح الدمار والقتل خبراً عادياً يتكرّر حتى يفقد العالم قدرته على الصدمة والتحرك الأخلاقي.
وربما تتمثل المأساة الأكبر اليوم في أن المواطن اللبناني، بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما يزال يفتح الصحيفة أو شاشة هاتفه أو شاشة تلفازه، ليقرأ أو يسمع العنوان ذاته، مستطلعاً تفاصيل النزوح والقتل والدمار نفسها، ولكن بتاريخ جديد فقط.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
