من المرجح أن سفير الولايات المتحدة مايك هَكابي لم يخطط لأن يتحول حفل إطلاق كتاب “دعوا الحجارة تتحدث” في المكتبة الوطنية إلى حدث أمني – سياسي. كان من المفترض أن يكون أمسية لطيفة تتحدث عن نصوص وحجارة، لا عن مخطوفين وغزة. فعلاً، هكذا كان إلى أن قال السفير الجملة التالية: “آمل أن يُعاد جثمان آخر مخطوف إلى إسرائيل خلال 24 أو 48 ساعة”. جملة واحدة فتحت نافذة على ما يشغل واشنطن والقدس في هذه الأيام أكثر من أيّ كتاب جديد…
وصلنا إلى منعطف مركّب من طبقتين متعاكستين: من جهة، الرغبة الأساسية في إغلاق الدائرة، إعادة جثمان آخر مخطوف إلى تراب إسرائيل، وبذلك، تكون المهمة استُكملت، ومن جهة أُخرى، تومض لدى صُنّاع القرار إشارة أُخرى: إذا عاد “آخر المخطوفين”، فبالنسبة إلى البيت الأبيض، هذا لا يشكل نهاية مرحلة فقط، بل بداية الالتزام بشأن الانتقال إلى المرحلة التالية.
ففي لغة “خطة ترامب”، إن إعادة آخر مخطوف ليست مجرد بادرة أخلاقية، بل هي شرط رسمي: نهاية المرحلة الأولى وبداية المرحلة الثانية. ومن هذه اللحظة، تتوقع واشنطن من إسرائيل التوقف عن القول “بعد أن نعيد الجميع”، والبدء بتنفيذ ما وقّعته داخل غزة، في معبر رفح، وفي ما يتعلق بالقوة المتعددة الجنسيات (في حال شُكلت)، وفي الأساس، حيال “حماس”.
هنا، يبدأ التحدي. فعلى الورق، تبدو المرحلة الثانية من خطة ترامب معقولة: فتح معبر رفح بالكامل في الاتجاهين؛ الانتقال من وضع السيطرة العسكرية – الإسرائيلية إلى هيئة مدنية – دولية؛ إنشاء قوة استقرار متعددة الجنسيات؛ تأليف حكومة تكنوقراط فلسطينية “نظيفة من الإرهاب” والبدء بإعادة إعمار تدريجية للقطاع، تخضع للرقابة.
لكن على الأرض، يكاد كل جزء من هذا المخطط يصطدم بجدار، وأحياناً، بأكثر من جدار واحد؛ الحلقة الأولى هي رفح، ففي التفاهمات بين واشنطن والقاهرة والدول العربية وإسرائيل، كُتب بوضوح: يجب أن يُفتح المعبر في الاتجاهين، للخروج من غزة، وللعودة إليها.
أمّا إسرائيل، فأعلنت الأسبوع الماضي، في بيان مقتضب صادر عن “منسّق أعمال الحكومة”، أن المعبر سيُفتح “لمغادرة سكان القطاع فقط”. إنه نموذج جزئي: نحن لا نغلقه تماماً، لكننا لن نسمح بعودة موجة من السكان إلى منطقة نعتبرها لا تزال قابلة للاشتعال، ومليئة ببنية تحتية “إرهابية” وخلايا “حماس”.
إن واشنطن والعواصم العربية، في معظمها، لا تعتبر ذلك “فتحاً جزئياً”، بل محاولة للالتفاف على روح الاتفاق. فبالنسبة إليهم، كلمة “كامل” في النص ليست كلمة زائدة. وبعد عودة المخطوفين والجثامين، حان دوركم للالتزام بالصفقة من جانبكم، وهناك أيضاً جوهر المشكلة، واسمه “حماس”.
ففي الأسابيع الأخيرة، أوضح قادة الحركة، علناً – خالد مشعل، خليل الحية وآخرون – أن “حماس” لا تنوي التخلي عن سلاحها، ولا مغادرة الساحة. والتقارير الواردة من القطاع تتحدث عن عملية عكسية لعملية نزع السلاح: ففي الواقع الجديد، حيث الجيش الإسرائيلي موجود في “الخط الأصفر”، لكنه لا يسيطر على كل شبر، تنجح “حماس” في إعادة بناء آليات حُكمها، والاندماج في المحادثات بشأن “حكومة تكنوقراط”، بهدوء وخلف الكواليس، حتى إنها توسّع نفوذها على الأرض.
ومن هنا، ينبع خط التصدع بين القدس وبين الشركاء في خطة ترامب. فإسرائيل تطالب بترتيب واضح: أولاً، نزع سلاح “حماس” وإزالة سيطرتها الفعلية، وبعد ذلك فقط، إعادة الإعمار والقوة الدولية والانسحاب الإسرائيلي.
أمّا دول الخليج ومصر وأجزاء واسعة من المؤسسة الأميركية، فيطرحون ترتيباً مختلفاً: أولاً، يبدأ الإعمار والآلية الدولية، وبعدها تدخل قوة الاستقرار وحكومة التكنوقراط، ثم “خلال العملية”، يُعالَج ملف “حماس” بالتدريج.
وبالترجمة الشرق الأوسطية: ابدأوا بالمشي؛ ومع الوقت، نرى ما يمكن فعله. يدركون في مكتب رئيس الحكومة أن ترامب، على الأرجح، لا يعتزم قبول معادلة “الشرط المسبق” الإسرائيلي، والتقدير المعقول هو أن البيت الأبيض سيطالب بتقدُّم متوازٍ: فتح رفح في الاتجاهين، التقدم في مسألة إنشاء قوة الاستقرار، تعيين حكومة تكنوقراط، والبدء بنقاش عملي بشأن نزع السلاح، هذا كله معاً، الآن، حسبما يحب ترامب، تحت عنوان “المرحلة الثانية”.
من المنظور الإسرائيلي، هذا عبارة عن كابوس مزدوج؛ على المستوى الأمني، تُظهر التجربة السابقة أن كل مرة دخلنا فيها في ترتيبات تقوم على “أولاً نعطي، ثم نفكك”، كان الطرف المقابل هو الذي ينمو ويقوى؛ وعلى المستوى السياسي، إن أيّ خطوة قد تبدو كأنها موافقة على بقاء “حماس” وإعادة الإعمار”، ربما تؤدي إلى تفجير المعسكر اليميني من الداخل، قبل أن يتمكن أفراد المعارضة، حتى من التغريد.
لذلك، يجري في هذه الأيام بناء “خطة انتظار” إسرائيلية: عدم حرق الجسور مع واشنطن، وعدم الرفض المباشر لخطة ترامب، لكن أيضاً عدم الاندفاع إلى الأمام وتصدُّر مقدمة الركب، والسماح للمبادرة الأميركية بالانطلاق وعدم الظهور كمن يُفشلها، والمراهنة على أن الواقع في المنطقة سيفعل ما يفعله.
تعمل المؤسستان السياسية والأمنية، انطلاقاً من فرضية عمل، مفادها الآتي: من الصعب العثور على دول توافق على إرسال جنود لقوة حفظ استقرار تفصل بين “حماس” والجيش الإسرائيلي، وفي كثير من الحالات – بحسب الخطة – بدلاً من الجيش الإسرائيلي؛ المصريون والأردنيون لا يسارعون إلى التطوع، ودول أوروبا ستكتفي بالشعارات، لا بإرسال الجنود؛ حتى أذربيجان التي قالت “نعم”، يبدو كأنها لا تتعجل القفز إلى المياه وإرسال جنودها إلى غزة.
إذا لم ينشأ هذا الإطار المتعدد الجنسيات بالحجم المطلوب، وإذا تعثرت عملية الإعمار في وقت مبكر، فستتمكن إسرائيل، في مرحلة متأخرة، من أن تقول لترامب: لقد حاولت، وهذا لا ينجح؛ الآن، دعنا نتحدث عن بديل ملائم مما يحدث فعلاً على الأرض.

مؤسسة الدراسات الفلسطينية
مؤسّسة بحثية مستقلة وغير ربحية، متخصصة في دراسة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتمتد نشاطاتها إلى وثيقة التاريخ، الحقوق، والسياسة. تأسست في بيروت عام 1963 على يد عدة مثقفين عرب وفلسطينيين من بينهم قسطنطين زريق، وليد الخالدي، وبرهان الدجاني.
