يجمعُ كُثُرٌ على أن تحقيق المكاسب من خلال المفاوضات لا يقلٌّ أهميةً عن تحقيقها عبر الوسائل العسكرية. فعلى سبيل المثال هناك تكتيكات يستخدمها القادة العسكريون على أرض الميدان تخدم أهدافهم الاستراتيجية، كما أن هناك تكتيكات تفاوضية ترسم الهدف الوجودي من عملية التفاوض. فالمفاوضات فن وعلم يُحددُ من خلالها المفاوِض، سواء كان كياناً صغيراً كالشركات، أو كبيراً كالدول والمنظمات الدولية، الأهداف التي تعتبر أساسية في الحفاظ على المصالح التي لا يمكن التنازل عنها، علاوة على الأهداف التكتيكية، التي يمكن تحقيقها على المديين المتوسط أو البعيد، باعتبار أن تأجيل تحقيقها لا يضرُّ بالصفقة ككل.
واقعياً لا يمكن القفز الاعتباطي فوق قرار من يعيش التجربة العملية، فالتنظير من بعيد سهل ويسير، لكنه لا يعبّر بالضرورة عن واقع الحال، لذلك قيل قديماً “أهل مكة أدرى بشعابها”، وعليه لا يمكن تحديد سلّم الأولويات إلا لمن خبر المعاناة عن قرب وذاق مراراتها وحيداً، والتعاطف معه لا يعطي الحق لأحدٍ في اختيار ما هو الأنسب له ولقضيته.
يدورُ الحديث راهناً حول خطة ترامب لإنهاء الصراع بين إسرائيل و”حركة حماس”، فهناك من يؤيّد تلك الخطة ويدعهما ويعتبرها في الظروف الراهنة مناسبةً وتوقف آلة القتل الإسرائيلية، التي حركت الضمير العالمي رفضاً لها، وتأييداً لحق الشعب الفلسطيني في العيش بسلام في ظل دولة ذات سيادة وفقاً لحل الدولتين. في المقابل هناك من اعتبرها ظالمة وتُدخِل الحقوق الفلسطينية في متاهة من الشروط المجحفة، التي لا تفرّق بين الظالم والمظلوم، وعلى الأغلب ينحصر موقف هؤلاء في السياسة المصلحية التي تعتبر وقف إطلاق النار مضراً بهم على المستويات كافة، خصوصاً اذا كان تسليم السلاح والانخراط في العملية السياسية يفقداهم القدرة على المناورة، ويضعاهم أمام خسارة ورقة تفاوضٍ إقليمية، قد تحدث فرقاً عند رسم خريطة النفوذ في المنطقة أو تحديد مستقبلها.
ولا يحولُ الحديث عن خطة ترامب من بدايتها الى نهايتها، وعن كيفية تشكّل أفكارها من دون الاعتراف بجدوى المواقف العربية، التي أثمرت ضغطاً سياسياً لا يمكن تجاوزه أو التقليل من شأنه بعد الاعتداء الإسرائيلي على دولة قطر بهدف اغتيال قادة “حماس” على أراضيها، فجاء الموقف العربي والإسلامي مسنوداً بموقفٍ دولي رافض لمثل هكذا سلوك عدواني، لا يقيم وزناً للقانون الدولي وإلزاماته، فتمت إدانته بداية من قطر التي وصف بيان خارجيتها الاعتداء بأنه “يشكل انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية وتهديداً لأمن وسلامة القطريين والمقيمين في قطر”. ثم توالت الإدانات من قبل دولة الإمارات وسوريا ولبنان والكويت ومصر والأردن وفلسطين وإيران والسعودية التي حذرت بدورها من عواقب وخيمة من إمعان الاحتلال الإسرائيلي في إجرامه، مؤكدة على مساندة قطر في كل ما تتخذه من إجراءات. أيضاً لا بد من الإشارة إلى القمة العربية والإسلامية التي عقدت في قطر وبمعزل عن طبيعة البيان الذي صدر عنها، فقد أرسلت إشارات اعتراض قوية فهمها جيداً الأميركيون، فسارع الرئيس ترامب بالضغط على نتنياهو لتقديم الاعتذار لدولة قطر التي تعتبر حليفاً موثوقاً للولايات المتحدة، لا يمكن التغاضي عن الاعتداء عليها دون تحريك ساكن.
ولنضع جانباً السلوك الشخصي للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي كان يسعى من خلاله للحصول على جائزة نوبل. يبقى أن السياسات الدولية تحركها المصالح، وتدعمها ثوابت تتعلق بطموح الفاعلين الآخرين، الذين هم أيضاً في سعي دائم للعب دور موازٍ للولايات المتحدة المهيمنة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، لخلق عالم أكثر توازناً في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب.
وسط كل هذه السياسات والمعادلات ما هي المكاسب الواقعية التي حققها الشعب الفلسطيني من خطة ترامب ومن وقف إطلاق النار؟
أولاً إن مجرد وقف الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني وفك الحصار عنه يعتبر مكسباً إنسانياً للعالم أجمع، الذي خسر الكثير من مصداقيته ومن منجزاته التاريخية، التي تتعلق بحقوق الإنسان والحق بالحياة كحق رئيس من دونه لا قيمة لباقي الحقوق الأخرى. ثانياً فقد تضمنت الخطة اعترافاً بالمطالب الوجودية لأهل غزة، حيث رفضت التهجير القسري، أي أنه لن يُجبر أحد على مغادرة غزة وأولئك الذين يرغبون في مغادرتها سيكونون أحراراً في القيام بذلك والعودة إليها، كما شجعت الناس على البقاء. ثالثاً نصت الخطة على الالتزام بإعادة الإعمار لصالح سكان غزة.
قصارى القول، لكل الحق في أن يقرأ الخطة بما يناسب تطلعاته، وزاوية الرؤية الخاصة به، إنما من يقرأ بواقعية ويتمعن بموضوعية في بنود الخطة آخذاً في الاعتبار مصلحة الشعب الفلسطيني حصراً، سيجد أن مكاسب فلسطينية قد تحققت، وذلك بمعزل عما تقوله “حماس” وإسرائيل معاً.

د. مجيد مطر
باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.
