قراءة في منطق المادة 52 من الدستور… ماذا عن شكل التفاوض؟

يدور في لبنان سجال سياسي يعكس انقسامًا حول شكل التفاوض لا حول جوهره، إذ إن مبدأ التفاوض لا يرفضه أحد، إنما هناك فريق، وأبرز أطرافه “حزب الله”، يريد أن يكون التفاوض غير مباشر، وذلك لتسجيل موقف سياسي مفاده أن التفاوض المباشر يعطي انطباعًا بأن لبنان يتنازل لإسرائيل في وقت لا تزال تحتل قسمًا من الجنوب. في المقابل، يرى فريق آخر أن النقاش حول شكل التفاوض لا ينفصل عن التحولات الإقليمية، وأنه بات جزءًا من إدارة سياسية لواقع فرض نفسه على لبنان، أكثر مما هو خيار سياسي أو دستوري مجرد أو معزول عن مجمل التطورات.

وقبل الخوض في هذا السجال، لا بد من التذكير بأن المادة 52 من الدستور اللبناني قد حسمت الإطار الدستوري لصلاحية التفاوض، إذ أناطت هذه الصلاحية برئيس الجمهورية، على أن تمر المعاهدات عبر مجلس الوزراء، وأن تخضع لرقابة مجلس النواب في الحالات التي نصت عليها. وبذلك تكون المادة قد رسمت بوضوح المرجعيات الدستورية التي تتولى قرار التفاوض وإبرام الاتفاقات، من دون أن تتطرق إلى شكل التفاوض، سواء أكان مباشرًا أم غير مباشر، ما يجعل هذا التمييز خارج نطاق النص الدستوري نفسه.

وبالعودة إلى دور مجلس النواب في هذه المادة، التي تكرّس عمليًا مبدأ فصل السلطات، لا بد من التطرق إلى المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، لما لها من أثر سيادي طويل الأجل، يفرض رقابة مجلس النواب. ويُعدّ ترسيم الحدود من أبرز تلك الاتفاقيات، ما يعني أنه بإمكان الحكومة أن تفاوض في مختلف الاتجاهات، إنما ثمة نوع من الاتفاقيات لا بد له من موافقة مجلس النواب.

وجدير بالذكر في هذا الصدد أنه، بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في العام 2022، دار سجال دستوري حول إلزامية عرض هذه الاتفاقية على مجلس النواب، باعتبارها من قبيل المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة؛ ففريق رأى ذلك، وفريق آخر اعتبر العكس، طالما أن الحكومة اللبنانية هي التي أبرمت تلك الاتفاقية الملزمة للطرفين.

فللمادة المذكورة منطق لا يمكن فهمه من دون العودة إلى ما قصده المشرّع منها. فالمشرّع كان يدرك أن الدولة قد تحتاج، إما لتكريس مصالحها أو لحمايتها، من دون تمييز بين عدو أو صديق، إذ من غير المنطقي تقييد فهم تلك المادة بالتفاوض مع الأصدقاء حصراً. فكما تدخل الدول في مفاوضات مع دول صديقة، قد تدخل أيضًا في مفاوضات لحل نزاع حدودي أو لتقسيم ثروات مشتركة، فيصبح التفاوض وسيلة مجدية لتحقيق ذلك. وعندها، يغدو شكل التفاوض أمرًا ثانويًا، لا يقدّم ولا يؤخّر، طالما أن النتيجة نفسها قد تتحقق.

وعليه، يتبيّن أن الدستور لم يأتِ على ذكر طبيعة التفاوض، بل ركّز على توزيع الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية. وبالتالي، فإن الجدل القائم حول الشكل لا يجد أساسًا دستوريًا صريحًا، بل يدخل في إطار السياسة وتقدير المصلحة، لا في إطار النصوص الملزمة.

وفي المقاربة الأوسع للعلاقات الدولية، يمكن فهم التفاوض باعتباره جزءًا من أدوات إدارة الصراع، لا نقيضًا له. ففي الفهم الذي قدّمه كارل فون كلاوزفيتز، تُعدّ الحرب استمرارًا للسياسة بوسائل أخرى، ما يعني أن السياسة نفسها، بما فيها الدبلوماسية والتفاوض، هي امتداد لأشكال مختلفة من الصراع. ومن هذا المنظور، لا يكون التفاوض خروجًا عن منطق المواجهة، بل أحد أشكالها غير العسكرية.

كما أن المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية تنظر إلى الدول بوصفها فاعلًا عقلانيًا يسعى إلى تحقيق مصالحه الوطنية في بيئة دولية تقوم على تضارب المصالح. وبالتالي، فإن التفاوض، سواء كان مباشرًا أو غير مباشر، يُستخدم كأداة لتحقيق هذه المصالح في مواجهة أطراف أخرى، وفي مقدمتها إسرائيل، وليس كتنازل عنها، وهو ما أكّده رئيس الحكومة نواف سلام، بأن التفاوض لا يعني الاستسلام أو التنازل.

وانطلاقًا من ذلك، فإن التمييز بين أنواع التفاوض يبدو تمييزًا شكليًا أكثر منه جوهريًا، إذ إن وجود وسيط لا يغيّر من حقيقة أن التفاوض يتم بين الأطراف ذاتها، ولا يبدّل في النتائج السياسية التي يمكن أن تترتب عليه. بل إن هذا التمييز غالبًا ما يُستخدم في سياق إدارة التوازنات الداخلية وتسجيل المواقف السياسية، أكثر مما يعكس اختلافًا في طبيعة العملية التفاوضية نفسها.

كما أن التطورات السياسية الأخيرة، بما في ذلك الاتصالات والوساطات الدولية المرتبطة بالمسار التفاوضي، تعكس أن شكل التفاوض ليس ثابتًا، بل يتغير تبعًا للظروف والاعتبارات السياسية والضغوط الإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، فإن ما يُطرح من احتمالات للتواصل المباشر أو غير المباشر لا يغيّر في أساس الهدف، بل في آلية الوصول إليه.

ومن هنا، يمكن القول إن التفاوض والدبلوماسية يشكّلان، في جوهرهما، أداة من أدوات الدولة في إدارة الصراع والدفاع عن المصلحة الوطنية، لا تنازلًا عنها. وعليه، يصبح السؤال الجوهري ليس حول شكل التفاوض، بل حول وظيفته: هل يخدم المصلحة الوطنية أم لا؟ فإذا كان الهدف هو حماية هذه المصلحة، فإن التفاوض، بأي شكل كان، يبقى أداة سيادية من أدوات الدولة، لا خروجًا عن ثوابتها ولا تنازلًا عن سيادتها وحقوقها.

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.