تكشف السياسة أحيانًا ما تُخفيه الكلمات أكثر مما تُعلنه، وتتحول التفاصيل اللغوية الصغيرة إلى مفاتيح لفهم تحولات كبرى في بنية الخطاب والصراع.
يفتح بيان الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم (27 نيسان 2026)، مساحة قراءة تتجاوز الموقف السياسي المباشر، نحو سؤال أعمق: كيف تُصنع المعاني داخل اللغة السياسية، ومن يملك حق إعادة تعريف الفاعلين داخلها؟ يستعيد هذا السؤال مقاربة «البنية العميقة» التي تُميّز بين ما يظهر على سطح الخطاب وما يعمل في محركه الجوهري.
غياب البسملة كعلامة دلالية لا كتفصيل شكلي
يرصد غياب البسملة في افتتاح البيان كعلامة فارقة في بنية الخطاب؛ إذ يكسر هذا الغياب النمط التقليدي في خطاب يصدر عن قيادة ذات مرجعية دينية، في بيئة يمثل فيها النص الديني هوية وجودية.
يفسّر هذا الانقطاع في ضوء المنظومة الثقافية والقرآنية، حيث يستدعي في الذاكرة التأويلية نموذج سورة «البراءة». ويعيد هذا الاستدعاء إنتاج «الغياب» بوصفه علامة لا نقصًا، بل فعلًا دلاليًا يؤسس لقطيعة أخلاقية وسياسية مع مسارات التنازل. فالمعنى هنا لا يتشكل من الحضور اللغوي وحده، بل أيضًا مما يُحذف عمداً داخل النسق.
إعادة توزيع الفاعلين داخل الجملة السياسية
يعيد البيان توزيع أدوار الفاعلين داخل الجملة السياسية للصراع، وينقل مركز الثقل من سردية الاتهام إلى سردية الفعل التأسيسي.
يضع «العدوان الأمريكي–الإسرائيلي» في موقع الفاعل الأول للأزمة، ويقدّم «المقاومة» بوصفها ردّ فعل حتمي ومشروع، في حين يُظهر «السلطة اللبنانية» في موقع محدود التأثير أقرب إلى التلقي منه إلى المبادرة. ينتج عن هذا الترتيب نقل المقاومة من موقع «المتهم» إلى موقع «الفاعل السيادي المضاد»، مع سحب مركزية الفعل من السلطة ومنحها لـ «الشعب المقاوم»، مما يؤدي إلى إعادة توزيع الشرعية الرمزية داخل الخطاب بالكامل.
اللغة المزدوجة كفضاء لإعادة إنتاج المعنى
يستخدم البيان ثنائية العربية والإنجليزية كأداة لتوسيع المدى الحيوي للخطاب، وينتقل من مخاطبة الداخل إلى مخاطبة الخارج مباشرة دون وسائط تفسيرية أو «فلاتر» دبلوماسية.
يعيد هذا الاستخدام إنتاج الخطاب داخل فضاءين دلاليين مختلفين، حيث لا تعمل الترجمة كتحويل لغوي آلي، بل كإعادة تشكيل للمعنى وفرض للمصطلحات السيادية داخل النظام اللغوي للآخر. يحاول البيان عبر هذا المسار تثبيت روايته داخليًا وفرضها كواقع معرفي عالمي في آن واحد.
تأسيس زمن سياسي جديد عبر القطيعة
يؤيد البيان ولادة زمن جديد عبر لغة القطيعة، ويُدخل عبارة «لن نعود» كجملة فاصلة بين تاريخين.
يفصل هذا التعبير بين زمن سابق كان قابلاً للتفاوض أو المناورة، وزمن لاحق مغلق تماماً أمام محاولات إعادة إنتاج الشروط القديمة. وبذلك، يتحول «الزمن» في الخطاب من إطار وصفي للأحداث إلى أداة سيادية بيد المهندس، تُنهي صلاحية القواعد الماضية وتعلن زمن «الفعل المباشر».
توسيع الصراع عبر الرموز والسرديات الكبرى
يوسّع البيان أفق الصراع عبر الإحالة إلى رموز دينية وتاريخية مكثفة، ويربط الحدث السياسي الميداني بسرديات رمزية ممتدة تمنحه بعداً يتجاوز اللحظة الراهنة.
يحوّل هذا الربط الفعل السياسي المادي إلى جزء من بنية معنوية (كربلائية) لا تقبل الانكسار، ويعيد تعريف الأفراد من مجرد متلقين للبيانات إلى مشاركين فاعلين في سردية وجودية كبرى.
لكن هذا التوسيع الرمزي يرفع، في المقابل، كلفة أي محاولة للانتقال إلى منطق التسويات السياسية التقليدية.
إعادة كتابة الواقع عبر اللغة لا وصفه فقط
يخلص التحليل إلى أن البيان لا يصف الصراع بل يعيد كتابته، مؤكداً أن المعركة لا تدور فقط في الميدان العسكري، بل في عمق اللغة التي تمنحه الشرعية والمدى. تطرح هذه القراءة أسئلة سيادية: من يحدد الفاعل؟ من يعرّف البداية؟ ومن يملك حق التسمية؟
تُظهر هذه البنية الخطابية أن الصراع يُصاغ بوصفه مواجهة بين أبناء الأرض من جهة، وقوى احتلال خارجية من جهة أخرى، حيث تُعاد صياغة العلاقة بين الفعل السياسي والمشروع الوطني ضمن إطار مقاوم يرى نفسه جزءاً من معركة سيادة ممتدة، لا مجرد طرف في نزاع سياسي تقليدي.
تعمل اللغة هنا بوصفها أداة لإنتاج معنى الصراع بقدر ما تعكسه، فتمنح المفاهيم السياسية بعدًا وجوديًا يربط الأرض بالهوية، والمواجهة بالشرعية، ضمن سردية تعتبر أن مقاومة الاحتلال هي امتداد مباشر لفعل الدفاع عن الوجود.

د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.
