على الرغم من أهمية الحدث وضخامة وقعه على العالم بأسره، فإن ترامب لم يكن مستعداً لتلقّي عبء جديد يُضاف إلى أعبائه. وبمعزل عن التفاصيل الفنية والتقنية لعملية الهجوم—والتي تحتمل من التأويلات ما لا يسمح بتوجيه اتهام حاسم إلى جهة سياسية بعينها—فإن بساطة التنفيذ وسذاجته، عند مقارنته بعمليات اغتيال ذات دوافع سياسية، تفتح الباب أمام فرضيات متباينة. فبالنظر إلى سيرة الفاعل، قد يكون الهجوم مخطَّطاً ومدبَّراً، وقد يكون فعلاً عفوياً وُلِد في لحظته، بغضّ النظر عن مشروعية حمل السلاح في مكان وقوع الحادثة.
وفي سياق عمليات الاغتيال، يبقى الهدف الذهبي، الذي يفوق إصابة الشخص المستهدف، هو: إخفاء جهة التخطيط. ولهذا الغرض، يُلجأ غالباً إلى وسائل تضمن طمس الخيوط، كاستخدام الأحزمة الناسفة، أو الاستعانة بطرف آخر لتصفية المنفّذ أو تهريبه. وهو ما لم يحدث في هذه الواقعة، أو على الأقل لم يتبيّن حتى الآن أن شيئاً من هذا القبيل كان جزءاً من العملية.
على الصعيد السياسي، يبدو—على خلاف ما يتوقعه كثيرون—أن أسهم ترامب قد هبطت أكثر في مؤشر ما يمكن تسميته بـ«Trump war». وقد بدا ذلك واضحاً في ارتباك تصريحه، في لحظة جمعت بين حاجته إلى تضخيم الحدث، وضرورته في الوقت ذاته إلى تقزيمه. لقد لجأ إلى استدعاء مفردات «القداسة» المخزَّنة في تصوّره لدور الدولة وسياساتها، غير أن هذه القداسة لا تُفهم هنا في بعدها الروحي، بل في إطار خطاب يحاول أن يتّقي به حسد الداخل وتربّص الخارج، كما لو كان يرتدي «حجابات» سياسية واقية.
غير أن قداسة الدولة، في جوهرها، تنبع من أمنٍ لا يمكن أن يبدأ إلا من جيب المواطن، الذي وجد نفسه متروكاً من بعض قادته، حتى أولئك الذين كانوا ضمن قافلة الدعم لترامب نفسه، قبل أن ينقلبوا عليه ويرجموه بالاتهامات ذاتها، حين صوّروه في هيئة أقرب إلى «المسيح الدجال».
في ما يتعلّق بحاجته إلى التضخيم، بدا ترامب ميّالاً إلى توظيف الحدث ضمن سردية «المهمة المقدسة» التي يرى أنه أُنيطت به، بوصفه صاحب موقع يملك التأثير في مصائر الناس وأحلامهم على امتداد الجغرافيا العالمية. بل إن هذه «القداسة»—من وجهة نظره—فرضت عليه تحمّل أعباء مواجهة إيران، بما تمثّله من قدرات نووية وتسليحية، والتي انتهت—بحسب تصريحه—إلى هذا الاستهداف، بوصفه نتيجة حتمية لمن يتصدّى لمهمة «حماية أمن العالم وسلامه».
غير أن هذا الخطاب نفسه، وقبل أن يستكمل فواصله، أضاء في ذهن ترامب تناقضاً حاداً: فالمبالغة في تضخيم الحدث تعني، بالضرورة، إصدار صك إدانة ضد نفسه، في مواجهة الديمقراطيين الذين استنزفتهم محاولات تقييد صلاحياته في الكونغرس—ومعهم أطراف أخرى—على خلفية سياساته الداخلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن حالة الذهول التي أصابته تمثّلت في تصوّرٍ مرعب لاحتمال التقاء غضب الشارع مع خصومه السياسيين في جبهة واحدة غير مألوفة، قد تدفع إلى قلب المعادلات، بحيث يسير جزء من أنصاره خلف سياسات خصومه.
وأمام هذا المشهد، بدا أن هواجس ترامب تجاوزت فكرة الانتخابات النصفية المقبلة، ليُدرك ضرورة التذكير بخيار الحلّ الداخلي السلمي للنزاعات، مستدعياً مختلف أقطاب السياسة الأميركية في خطابه، من دون أن يحدّد هدفاً مباشراً، مع إبقائه على نبرة الاتهام تجاه الديمقراطيين، عبر تعميم احتمالات أن تكون العملية قد استهدفت مسؤولين آخرين غيره. وبهذا المعنى، فإن عمومية الخطاب توحي بأن أي شخصية—حتى مسؤول أمني عند مدخل الاستقبال—قد تكون ضمن دائرة الاستهداف.
على صعيد آخر، وفي ما يتعلّق بالارتكاز الإسرائيلي، لم يُبدِ ترامب ارتياحاً يُذكر لفرحة نتنياهو، التي بدت وكأنها هبطت من سماء حيرة طالما أربكته في كيفية الدفع نحو استئناف القتال مع إيران. وفي المقابل، يدرك ترامب أن أي تحرّك في هذا الاتجاه سيضعه، بلا شك، في موقع «عقدة الشدّ» بين إسرائيل وإيران، وهي معادلة لن يكون فيها خاسر أكبر منه.
ومن هنا، لا يبدو أن لنتنياهو مصلحة في إضعاف ترامب أو استهدافه، فضلاً عن قتله. بل لو أتيح له تقديم دعم مباشر له لفعل. ولو كان الهدف من عملية كهذه دفع ترامب إلى تبنّي سياسات أكثر انسجاماً مع الرؤية الإسرائيلية، لكان تنفيذها محكماً إلى درجة تمنع كشف الفاعل أو القبض عليه. غير أن مآل الأمور على هذا النحو يعكس، في الواقع، تراجعاً إضافياً في مؤشر اندفاعة ترامب وتفاؤله.
أما في ما يتعلّق بإيران، فإن محاولة الاغتيال هذه—إن صحّت بعض التصوّرات—تقطع الطريق على المسار الذي حاول ترامب سلوكه عبر «تهريب» الخطط، بعد أن أوقف الهجمات المباشرة واتجه إلى العمل من خلف خطوط الهدنة، مستخدماً ساحات مثل لبنان والعراق، مع إبقاء باب المندب كاحتياط استراتيجي. وفي المقابل، لا تبدو إيران راغبة في تصعيد يضعها في موقع تنفيذ عملية وُصفت بالساذجة والفاشلة، وهو ما جعل ترامب عاجزاً عن بناء رواية متماسكة تُنسب إليها، مفضّلاً فصل الحادثة عن سياق الحرب معها—على أن تُترك تفاصيل ذلك لمرحلة لاحقة.
ختاماً، لا بد من التذكير بما سبق قوله بشأن تراجع الثقة بالمعلومات الاستخباراتية الأميركية، التي أدّت إلى اهتزاز ثقة ترامب بمسؤوليه، الذين أخذوا يتساقطون واحداً تلو الآخر بفعل انقلاب مواقفه عليهم. ولن تكون هذه العملية سوى ضربة إضافية لجدار الثقة بمن حوله، لن تقتصر آثارها على تغيير الأشخاص، بل ستمتد إلى إعادة تعريف أدوارهم ومهامهم.
وقد لا يكون هذا الإخفاق ناتجاً عن تواطؤ مقصود، بل ربما عن حالة من اللامبالاة التي ولّدها ضعف موقع ترامب نفسه وتراجع الثقة بتصوّراته. وفوق ذلك، فإن جرأة ترامب الشخصية مرشّحة بدورها للتغيير، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. ويبدو أن تصريحاته، من الآن فصاعداً، لن تكون بلا كلفة، بل سيدخل—أو دخل فعلاً—في مرحلة دفع «ضريبة الكلام»، كلما وجد نفسه بعيداً، ولو قليلاً، عن دوائر الحماية السياسية والشخصية المحيطة به.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
