منذ أن تشكّل البحر المتوسط كفضاء جغرافي رابط بين القارات، تجاوز هذا الحوض البحري حدوده الطبيعية، ليبدو مجالًا ديناميكيًا للتفاعل البيئي والبشري. وفي قلب هذا الامتداد، يبرز مضيق جبل طارق باعتباره نقطة التقاء استراتيجية تعبرها التيارات البحرية والأنواع البيولوجية، كما تعبره أيضًا مسارات الإنسان عبر التاريخ. وقد جعل هذا الموقع المتميز البحر المتوسط، منذ آلاف السنين، حلقة وصل بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، حيث نشأت على ضفافه حضارات كبرى مثل الفينيقيين والإغريق والرومان، ثم الحضارة الإسلامية التي حوّلته إلى فضاء للتجارة والرحلات البحرية وتبادل المعارف والثقافات. وبينما كان المتوسط مجالًا للتعايش والتواصل الحضاري، ظلّ أيضًا ساحة للتنافس والصراع، مما أكسبه قيمة استراتيجية استثنائية عبر مختلف المراحل التاريخية.
غير أنّ هذا الترابط الطبيعي والثقافي الذي ميّز المتوسط لقرون، أصبح اليوم يواجه تحديات بيئية متزايدة، بفعل تراكم الضغوط على موارده الطبيعية نتيجة التوسع العمراني، وتطور الأنشطة الصناعية والملاحية، وتزايد الاستغلال البشري للسواحل والبحار. وهو ما جعل البيئة المتوسطية تنتقل من كونها مجالًا للتوازن الطبيعي إلى فضاء يواجه اختلالات بيئية معقدة تستدعي إعادة التفكير في أساليب تدبيره وحمايته.
من الجغرافيا نحو المحيط الحيوي البحري
وعلى امتداد هذا التاريخ الطويل، كان البحر المتوسط مجالًا للتبادل الحضاري والتجاري بين الشعوب، وظل أيضًا محيطًا حيويًا غنيًا تشكّلت داخله أنظمة بيئية دقيقة عبر آلاف السنين. فقد ساهمت الخصائص الطبيعية لهذا البحر شبه المغلق، وتنوع تضاريسه البحرية، وتفاعل تياراته المائية، في إنتاج تنوع بيولوجي استثنائي جعل منه أحد أهم خزانات الحياة البحرية في العالم. وعلى ضوء ذلك، تبرز مناطق شمال المغرب باعتبارها واجهة بيئية بالغة الأهمية داخل الحوض المتوسطي، إذ تتميز سواحلها بتنوع الموائل بين الخلجان والمصبات والسواحل الصخرية والرملية، إضافة إلى الأعشاب البحرية والمناطق العميقة، مما يجعلها مجالًا حيويًا لتكاثر الأسماك والأنواع البحرية المختلفة. كما أنّ موقع شمال المغرب عند بوابة مضيق جبل طارق يمنحه دورًا استراتيجيًا في التوازن الإيكولوجي للمتوسط، لكنه، في الوقت نفسه، يجعله أكثر عرضة لضغوط متزايدة مثل التلوث الساحلي، والصيد المكثف، وتغير المناخ، وهو ما يفرض اليوم ضرورة التعامل مع هذا الإرث الطبيعي باعتباره جزءًا من الأمن البيئي والغذائي لدول المنطقة.
وفي هذا السياق، أصبح الحديث عن البحر المتوسط، فضلًا عن كونه فضاءً تاريخيًا أو جغرافيًا، يُقارب اليوم باعتباره نظامًا حيويًا (Biosphere) معقدًا يتطلب أدوات علمية دقيقة لفهم دينامياته وحمايته. وهنا تبرز أهمية مبادرات علمية إقليمية متقدمة، من قبيل مشروع MedKeyHabitats، الذي أعاد توجيه الاهتمام نحو الموائل البحرية الأساسية باعتبارها حجر الزاوية في توازن النظم البيئية المتوسطية. فقد أبانت نتائج هذا المشروع أنّ الحفاظ على التنوع البيولوجي لا يمكن أن يتم من دون معرفة دقيقة ببنية قاع البحر وتوزيع الكائنات الحية، حيث تم اعتماد تقنيات متطورة مثل السونار الجانبي والخرائط الباثيمترية لرصد الموائل البحرية وتوصيفها.
وقد كشفت هذه الأبحاث عن الأهمية الحاسمة لموائل نباتية بحرية مثل Posidonia oceanica وZostera marina، التي تمثل رئة بيئية حقيقية للمتوسط، نظرًا لدورها في إنتاج الأكسجين، وتخزين الكربون، وحماية السواحل من التعرية. كما أبرزت الدراسات غنى النظم البيئية المرجانية الكلسية، ووجود أنواع حساسة مثل المرجان الأحمر (Corallium rubrum)، وهو ما يعكس هشاشة هذا التوازن البيئي في مواجهة الضغوط البشرية والمناخية.
وفي هذا السياق، برز مفهوم محميات المحيط الحيوي، كما طوّرته منظمة UNESCO، باعتباره إطارًا يدمج بين حماية التنوع البيولوجي وتحقيق التنمية المستدامة. وتندرج محمية المحيط الحيوي العابرة للقارات في البحر المتوسط ضمن هذا التوجه، بوصفها نموذجًا متقدمًا لإعادة تموقع العلاقة بين الإنسان والبيئة داخل فضاء مشترك، يقوم على التوازن بين صون الموارد الطبيعية، وتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتقوية آليات التعاون بين ضفتي المتوسط.
وفي هذا الإطار، لا تحل مقاربة المحيط الحيوي محل المناطق البحرية المحمية ذات الطابع القانوني والتنظيمي، بل تضيف إليها بعدًا تكامليًا قائمًا على الحكامة البيئية المندمجة، وربط الحماية البيئية بالتنمية المحلية والبحث العلمي والتعاون العابر للحدود، بما يسمح بالنظر إلى البحر المتوسط باعتباره نظامًا إيكولوجيًا مترابطًا يتجاوز منطق التجزئة الجغرافية والبيئية.
المغرب: غنى بيئي تحت الضغط
وفي الامتداد الجغرافي للضفة الجنوبية للمتوسط، يبرز المغرب كنموذج دالّ على تعقيدات تدبير المحيط الحيوي البحري، حيث تتقاطع الخصوصيات الإيكولوجية مع رهانات التنمية والضغوط الاجتماعية.
ففي المغرب، تشكّل الواجهة المتوسطية الممتدة من طنجة إلى السعيدية فضاءً غنيًا بالموائل البحرية المتنوعة، خاصة في مناطق مثل مضيق جبل طارق وجبل موسى، حيث تتداخل التيارات الأطلسية والمتوسطية، مما يخلق دينامية بيولوجية عالية. غير أنّ هذا الغنى البيئي يقابله ضغط متزايد ناتج عن التوسع العمراني الساحلي، وتكثيف الأنشطة المينائية، والتلوث الصناعي والبلاستيكي، فضلًا عن الاستغلال المفرط للموارد السمكية.
وتشير المعطيات العلمية، خاصة في إطار مشروع MedKeyHabitats، إلى أنّ بعض الموائل الحساسة في شمال المغرب، مثل مروج الحزامية البحرية (Zostera marina)، أصبحت مهددة بالتراجع، رغم دورها الحيوي في تثبيت الرواسب واحتضان صغار الأسماك. كما أنّ التغيرات المناخية، من خلال ارتفاع درجات حرارة المياه وتزايد حموضتها، بدأت تؤثر على توازن الأنظمة البيئية، بما في ذلك الكائنات المرجانية مثل المرجان الأحمر (Corallium rubrum).
ولا تنفصل هذه التحديات البيئية عن أبعادها السوسيو-اقتصادية، إذ تعتمد فئات واسعة من السكان المحليين على الصيد التقليدي كمصدر رئيسي للعيش، ما يجعل أي تدهور في المخزون السمكي ينعكس مباشرة على الهشاشة الاجتماعية. كما أنّ غياب بدائل اقتصادية مستدامة، وضعف إدماج المجتمعات المحلية في تدبير المناطق البحرية المحمية، يزيدان من تعقيد معادلة الحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية.
مضيق جبل طارق: محيط حيوي عابر للقارات
تغطي محمية المحيط الحيوي العابرة للقارات في البحر المتوسط (RBIM)، التي تم إنشاؤها في تشرين الأول/أكتوبر 2008، ما يقرب من مليون هكتار، يتم تقاسمه بالتساوي تقريبًا بين المغرب وإسبانيا.
في المغرب، تمتد المحمية الطبيعية الشاملة عبر سبع جهات: شفشاون، بنسبة 32 في المائة من إجمالي مساحة المحمية؛ وتطوان، بنسبة 28 في المائة؛ والعرائش، بنسبة 23 في المائة؛ ووزان، بنسبة 10 في المائة؛ وفحص أنجرة، بنسبة 5 في المائة؛ والمضيق والفنيدق، بنسبة 2 في المائة؛ وطنجة أصيلة، بنسبة 0.21 في المائة. وتضم المحمية العديد من النظم البيئية الطبيعية.
وفي هذا السياق الإقليمي المتوسطي، تبرز محمية المحيط الحيوي العابرة للقارات في البحر المتوسط (Réserve de biosphère intercontinentale de la Méditerranée) كنموذج فريد في تدبير المجالات البيئية العابرة للحدود، حيث تمتد بين جنوب إسبانيا، وتحديدًا الأندلس، وشمال المغرب، وتحديدًا شبه جزيرة طنجة، في فضاء يلتقي عند مضيق جبل طارق، ليشكّل قوسًا إيكولوجيًا واستراتيجيًا يجمع بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
تغطي هذه المحمية مساحة واسعة من اليابسة، إلى جانب مجال بحري غني ومتنوع، ما يجعلها من أبرز التجارب الدولية الرائدة في الربط بين حماية التنوع البيولوجي وتعزيز التعاون العابر للحدود. وقد أضحت نموذجًا متقدمًا في الحوكمة البيئية المشتركة، إذ لا تقتصر أهدافها على صون النظم الإيكولوجية والموائل الطبيعية، بل تمتد أيضًا إلى تنظيم العلاقة بين الإنسان والبيئة داخل فضاء مشترك تتقاطع فيه الهجرات البيولوجية مع التفاعلات الثقافية والحضارية، بما يعكس مقاربة متكاملة للتنمية المستدامة وحماية التراث الطبيعي والإنساني.
وتعبر في هذه المنطقة الطيور المهاجرة بين إفريقيا وأوروبا، كما تنتقل الكائنات البحرية عبر التيارات الأطلسية والمتوسطية، في حين تتدفق الثقافات والمجتمعات بين ضفتي المتوسط، بما يجعل من هذا الفضاء مجالًا تتلاشى فيه الحدود الجغرافية لصالح ترابط إيكولوجي وثقافي عميق، وفق دراسات منشورة في مجلة Nature وتقارير GREPOM/BirdLife Maroc حول مضيق جبل طارق والهجرة البيولوجية بين إفريقيا وأوروبا.
ويُعدّ مضيق جبل طارق أحد أهم ممرات الهجرة الحيوية بين القارتين، حيث تعبره سنويًا أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة، خاصة الجوارح واللقالق، مستفيدة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمضيق وقصر المسافة الفاصلة بين إفريقيا وأوروبا. وخلال فترات ذروة الهجرة، تعرف المنطقة حركة كثيفة ومتواصلة للطيور، ما يعكس أهميتها البيئية على المستوى العالمي.
كما يشكّل هذا الفضاء منطقة عبور وتفاعل للكائنات البحرية عبر التيارات المحيطية، ويضم أنواعًا ذات قيمة بيولوجية عالية، مثل الدلافين وفقمة الراهب، فضلًا عن كونه نقطة التقاء بين النظم البيئية الأطلسية والمتوسطية والماكارونية، الأمر الذي يفسّر غناه البيولوجي الكبير وتنوعه الإيكولوجي الفريد. كما يضم هذا المجال المتوسطي للعبور كتلة بشرية وازنة موزعة بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب، ما يعكس تداخلًا واضحًا بين البعد البيئي والبعد السوسيو-اقتصادي، حيث تصبح التنمية المحلية مرتبطة مباشرة بسلامة النظم البيئية البحرية والساحلية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا الامتداد البيئي عن البعد الثقافي التاريخي، حيث ساهمت التفاعلات الحضارية في تشكيل ما يُعرف بالثقافة الأندلسية المشتركة، التي أثّرت في أنماط العيش والزراعة، خاصة عبر تقنيات مثل الزراعة المدرّجة وأنظمة الري التقليدية والطواحين المائية، في تجسيد واضح للعلاقة العميقة بين الإنسان والبيئة في المجال المتوسطي.
من العزل إلى التعايش: نحو نموذج متكامل لحماية التنوع البيولوجي البحري في المتوسط
صرّح الدكتور محسن منصور، رئيس جمعية Solutions Nature في فرنسا، بأن حماية التنوع البيولوجي البحري في حوض البحر المتوسط لم يعد بالإمكان أن تعتمد فقط على سياسات تعزل الطبيعة داخل حدود مصطنعة، بل أصبح من الضروري الانتقال نحو مرحلة من المصالحة المستدامة بين الإنسان وبيئته، من خلال تحويل مفهوم المحمية الحيوية إلى مختبر حي، بدل أن تكون مجرد ملاذ معزول.
ويرى رئيس الجمعية أن المحيط الحيوي البحري ليس فضاءً منفصلًا عن العالم، بل هو منصة للتنمية المستدامة تتجاوز السياسات التقليدية للحفاظ، القائمة على إقصاء النشاط البشري. وبدلًا من ذلك، يدعو إلى نموذج متكامل يوازن بين الحماية الصارمة للأنظمة البيئية الحساسة وتهيئة مناطق انتقالية للأنشطة الاقتصادية المستدامة، مع وضع المجتمعات المحلية في صلب الحوكمة. كما شدّد الدكتور منصور على أن منح صفة «محمية محيط حيوي» لأي منطقة ساحلية يتطلب استيفاء مجموعة من المعايير، حيث ينبغي أن تجمع هذه المنطقة بين ثلاث وظائف مترابطة: الحفاظ على التنوع البيولوجي، والتنمية الاقتصادية المحلية، والدعم اللوجستي من خلال البحث العلمي والتعليم.
وفي إطار بناء خارطة طريق نحو تعزيز الصمود والمشاركة المحلية في مواجهة الطوارئ المناخية والتلوث، أبرز الدكتور منصور أهمية العلم التشاركي، من خلال دمج المعارف التقليدية للصيادين الحرفيين مع المعطيات العلمية، بهدف تتبّع الأنواع الغازية ومخزون الأسماك. ودعا إلى تطوير اقتصاد أزرق شامل يدعم المبادرات المحلية التي تثمن خدمات النظم البيئية من دون استنزافها، مؤكدًا أن صمود البحر المتوسط يظل مرتبطًا بشكل وثيق بقدرتنا على تحويل كل مواطن، وكل مستعمل للبحر، إلى حارس حقيقي لتنوعه البيولوجي.
نحو دبلوماسية بيئية متوسطية
وتبعًا لهذه التحولات المتسارعة، يُعدّ البحر المتوسط مجالًا جغرافيًا وإرثًا حضاريًا مشتركًا، وفضاءً حيويًا يختبر قدرة الدول والمجتمعات على إعادة تموقعها داخل معادلة معقدة تجمع بين البيئة والتنمية والسيادة. فالتحديات التي تواجه المحيط الحيوي البحري المتوسطي، من تدهور الموائل إلى استنزاف الموارد وتفاقم آثار التغير المناخي، تكشف أن مستقبل هذا البحر يتطلب رؤية شمولية عابرة للحدود، بدلًا من الارتهان لسياسات قطاعية ضيقة.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ نموذج جديد في تدبير البحر المتوسط، يقوم على دمج المعرفة العلمية الدقيقة، كما توفرها مبادرات مثل MedKeyHabitats، مع آليات حكامة بيئية مندمجة، تعيد الاعتبار للموائل البحرية باعتبارها أساس التوازن الإيكولوجي. كما يفرض الواقع الراهن الانتقال من منطق الاستغلال إلى منطق الحماية المنتجة، حيث تصبح النظم البيئية، مثل مروج «بوسيدونيا أوشيانيكا» (Posidonia oceanica)، رأسمالًا طبيعيًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية التقليدية.
إن الرهان اليوم يتعلق بالحفاظ على التنوع البيولوجي، وإعادة بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والبحر، علاقة تؤسس لأمن بيئي وغذائي مستدام، وتعيد للمتوسط مكانته كفضاء للتكامل بدل التنافس. ومن هذا المنطلق، فإن دول الضفة الجنوبية، وفي مقدمتها المغرب وتونس، مدعوة إلى لعب دور محوري في بلورة دبلوماسية بيئية متوسطية قادرة على توحيد الجهود، وتثمين الموارد، وحماية هذا الإرث المشترك.
هكذا، يظل البحر المتوسط، رغم كل التحديات، أفقًا مفتوحًا لإمكانات جديدة، حيث لا يُقاس غناه بحمولته التاريخية فحسب، بل بما يمكن أن يؤسسه من مستقبل، إذا ما أحسن تدبير محيطه الحيوي باعتباره ثروة مشتركة ومسؤولية جماعية. إن البيئة، في جوهرها، تظل اليوم «اللغة المشتركة» الوحيدة والممكنة التي تملك القدرة على توحيد ضفتي المتوسط، متجاوزة التوترات السياسية، لترسم ملامح مصير إيكولوجي واحد لا يقبل التجزئة.

محمد التفراوتي
كاتب وإعلامي بيئي مغربي، ناشط في مجال البيئة والتنمية المستدامة. يشغل منصب رئيس مركز آفاق بيئية للإعلام والتنمية المستدامة ويدير مدوّنة "آفاق بيئية"
