كلّ يوم تؤكّد لنا هذه الحكومة أنّها حكومة ألقاب لا حكومة إصلاح، ولا علاقة لها ببناء دولة، كما يؤكّد لنا العهد الجديد، يوماً بعد يوم، أنّه عهد تطبيق السياسة الدولية وفرضها على لبنان وشعبه، لا عهد بناء وطن.
لن أدخل هنا في الفجوة المالية، ولا في سرقة ودائع الناس، ولا في العفو عن المحظيّين، فالموضوع بحاجة إلى نقاش طويل. غير أنّ المؤسف حقاً هو ما قرّرته هذه الحكومة بذريعة إنصاف الموظفين المسحوقين والمتقاعدين الممسوحين مادياً، إذ فرضت عليهم وعلى عامة الناس ضريبة إضافية على البنزين، وزادت نسبة الضريبة على القيمة المضافة، بدلاً من أن تنكبّ على معالجة التضخّم ومعالجة الوضع الاقتصادي برمّته. وهي حكومة اختصاص، كما سُمّيت، لكن تبيّن أنّها، مع رئيسها، حكومة “تلزيق بتلزيق” وحكومة تقطيع وقت، لا أكثر.
الموظفون على حق، والمتقاعدون على حق، والمتعاقدون على حق، والأساتذة أيضاً، والمواطن الصامت الصابر أيضاً؛ كلّهم ينتظرون الحل من هؤلاء “الاختصاصيين”. فجاء الحل من منتفعين بلقب وزير، لا علاقة لهم بمضمون هذا اللقب.
إنّ الحلول كثيرة ومناسبة لبناء وطن وبناء اقتصاد وتأمين عدالة اجتماعية حقيقية، لكنها تحتاج إلى رجال وطنيين لاتخاذها، لا إلى رجال يتمتّعون بالألقاب فقط فيما المضمون غائب.
سأطرح في هذه المقالة مجموعة كبيرة من الحلول. فلو عمل سعادة الوزراء ورئيسهم عليها منذ سنة حتى الآن، لكان الاقتصاد في مكان آخر كلياً، ولكان التعافي قد بدأ انطلاقاً مما هو متوافر. سأطرح العناوين فقط، وكل عنوان بحاجة إلى مقال مستقل لشرحه، لكن لا مجال هنا للإطالة كي لا يدخل الملل إلى قرّائها. وهذه الاقتراحات هي:
- إصدار مرسوم يمنع التنازل عن البضاعة المستوردة لشركات المخلّص الجمركي قبل تخليصها، بل إلزام المستورد بإصدار فاتورة بيع في حال أراد التنازل عنها قبل الجمرك، مرفقة بهذه الفاتورة فاتورة صادرة عن مصدر البضاعة الأساسي، مصادقاً عليها من بلد المنشأ، ومطابقة لمضمونها، وذلك لمنع التهرّب الجمركي عبر شركات مخلّصي البضائع المحميّة من المحاسبة.
- إصدار قانون بفرض ضريبة على أرباح بيع الأراضي من الأفراد والشركات، باستثناء الأراضي المملوكة بالإرث.
- إصدار قانون بتحميل الشاري للعقارات (أراضي وبناء) ضريبة الربح في حال وافق على توقيع عقد الشراء بسعر أدنى من السعر المتفق عليه فعلياً والمسدد من قبله.
- إلزام كتّاب العدل بإرسال نسخة عن عقود بيع العقارات ونسخة عن وكالات البيع غير القابلة للعزل إلى الدوائر العقارية، كلٌّ بحسب منطقته، لمنع البيوعات المتكرّرة من دون تسديد الضرائب.
- فرض ضريبة نسبية على الثروة التي تفوق مليوني دولار.
- رفع الرسوم الجمركية على السيارات الفخمة ومضاعفتها، وإلغاء قسيمة سيرها (الجمرك)، وإلغاء الجمرك على السيارات الصغيرة التي تسير أكثر من 350 كيلومتراً على تنكة البنزين الواحدة.
- إلغاء الجمرك على المواد الأولية التي تدخل في جميع الصناعات اللبنانية، ورفع الجمرك على البضائع الجاهزة المستوردة التي يمكن تصنيعها في لبنان.
- تخفيض قيمة الدولار مقابل الليرة بهدوء، حيث من الممكن أن يصبح بحدود 60,000 ليرة.
- تعديل نسبة الضريبة على شركات الأموال وجعلها تصاعدية على الأرباح.
- تصحيح نص المادتين 41 و42 من قانون ضريبة الدخل عن غير المقيمين، بحيث تُحدّد الفئة غير المسجّلة في دائرة ضريبة الدخل.
- استحداث دائرة في وزارة المالية مختصة بمتابعة التصاريح الخاصة بالمادتين 41 و42، والعمل على تسجيل الواردة أسماؤهم في هذه البيانات، وتكليفهم مباشرة بالضرائب بسبب تهرّبهم.
- حسم ملف المحظيّين من أصحاب الكسارات، وتثبيت قانون محاسبتهم، وإلزامهم بدفع الضريبة العادلة عمّا قاموا به خلال الخمسة والعشرين عاماً السابقة.
- حسم ملف الأملاك البحرية وتطبيق نصوصه بعدالة على جميع المحظيّين المستفيدين من هذه الأملاك، الذين حرموا المواطنين منها، وإلزامهم بدفع البدلات المناسبة.
- إصدار البطاقة الضريبية لكل المواطنين، وإلزام استعمالها في جميع أعمالهم.
- إلزام جميع أصحاب المهن الحرة بإصدار فاتورة بالأتعاب تتضمّن رقمهم المالي، ليصار إلى التصريح السنوي عن إيراداتهم ودفع الضريبة المتوجبة عنها، وإلزام المواطن بالمطالبة بالفاتورة تحت طائلة تغريمه بالضريبة في حال عدم المطالبة بها.
- إلزام كتّاب العدل بإصدار فاتورة بأتعابهم، وإخضاعهم للضريبة على القيمة المضافة، والتحقّق من التطبيق تحت طائلة الغرامات العالية.
- تعديل القانون الخاص بالملتزمين، واستبدال النسبة المقطوعة (15%) على الإيرادات بمسك حسابات دقيقة تُظهر الأرباح المحققة والضرائب المتوجبة على غير المقيمين والعمولات المدفوعة.
- تطبيق قانون “من أين لك هذا” على جميع المواطنين، وبالأخص على القضاة والموظفين من رتبة وزير ونائب حتى أدنى رتبة، كل خمس سنوات، مع مقارنة ما صرّحوا عنه ودفعوا الضرائب عليه مع أملاكهم الفعلية عند التصريح.
- ضبط التحويلات المالية إلى الخارج، ووضع قوانين واضحة لها، وفرض رقابة صارمة عليها.
- ضبط إيرادات ومصاريف آلاف الجمعيات، وإلزامها بمسك دفاتر نظامية والتصريح التفصيلي عن حركتها المالية، وإخضاعها للرقابة والتدقيق.
- إلغاء الحسم على الغرامات وتطبيقها بشفافية على المخالفين.
- تطبيق قانون التحصيل الجبري على المتهرّبين من تسديد الضرائب المتوجبة، وإلقاء الحجوزات على أملاكهم.
- التشدد في محاسبة المزوّرين في المستندات المالية والتجارية، وإصدار القوانين الناظمة لذلك.
- وضع إشارة على العقارات التي حُرّرت بها عقود بيع ولم تُسجّل ولم تُدفع الضرائب المتوجبة عنها بعد مرور أكثر من خمس سنوات.
هذا بعض ما يمكن لهذه الحكومة القيام به لو أرادت الإصلاح فعلاً. ولكن، للأسف، إذا حاولت التطبيق، فستطبّق البنود التي تطال طبقات الشعب الدنيا فقط، ولن تقترب من الأشخاص المحظيّين والمحمِيّين. نحن نتسلّى بالكلام لا أكثر.
فما دام كل زعيم يستتر بطائفته، وما دام كل موظف يُوظَّف وفق المحاصصة لا الكفاءة، وما دام الزعماء يعيّنون لإرضاء أزلامهم لا عبر مجلس الخدمة المدنية وحسب الحاجة، وما دام قانون الانتخاب مفصّلاً على قياس كل نائب، فستبقى الأمور على حالها، وسنبقى نثرثر ونتوتّر ونذهب إلى النوم صاغرين.
ويا خسارة حلمنا بالعهد الجديد…
وكل عهد وأنتم بخير.

الخبير عفيف شراره
نقيب سابق لنقابة خبراء المحاسبة.
