يشهد لبنان في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا في خطاب الكراهية، في سياق مجتمعي وسياسي بالغ الهشاشة. فالمجتمع اللبناني يقوم على هويات جماعية متعدّدة، يغلب عليها الطابع الطائفي، وهي هويات لم تتشكّل في إطار مسار وطني جامع، بل جرى تكريسها تاريخيًا كإطارات انتماء متقابلة، تحلّ في كثير من الأحيان محلّ مفهوم المواطنة. وقد أفرز هذا الواقع مجموعات اجتماعية متجاورة أكثر منها مندمجة، ما ولّد حالة تنافر وتنافس دائمين، وساهم في انتشار خطاب عدائي بين الأفراد والجماعات، الأمر الذي يطرح تحدّيًا أساسيًا يتمثّل في كيفية إدارة التنوّع والمحافظة على الوحدة الوطنية في آنٍ معًا.
لا يمكن فصل هذا التصاعد في خطاب الكراهية عن الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي يعيشه لبنان، حيث تحوّلت الأزمات المعيشية وفقدان الثقة بالمؤسسات إلى غضب جماعي يُعاد توجيهه في الخطاب العام نحو «الآخر»، ولا سيّما المختلف طائفيًا أو سياسيًا. وقد ساهم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة، إذ بات التعبير عن المواقف يتمّ خارج أي أطر ضابطة، وبعيدًا عن المسؤولية القانونية أو الأخلاقية، ما جعل الخطاب العدائي أكثر حضورًا وتأثيرًا.
ويزداد هذا الواقع تعقيدًا في ظل ضعف الدولة في إدارة الملفات السياسية الخلافية. فبدل أن تُدار القضايا المصيرية ضمن المؤسسات الدستورية وبخطاب عقلاني جامع، جرى في كثير من الأحيان تركها دون إدارة فعّالة. وقد أدّى هذا الفراغ في إدارة الخلاف إلى نقل الصراع من المجال السياسي والمؤسساتي إلى الفضاء الإعلامي والاجتماعي، حيث يتحوّل الخلاف السياسي إلى مواجهة هويّاتية، ويتغذّى خطاب الكراهية على غياب الدولة كمرجعية ضابطة للنقاش العام. فالمشكلة في جوهرها تكمن في بنية النظام السياسي غير القادرة على أن تكون جامعة على الرغم من التنوّع، وفي غياب تشجيع خطاب عام مسؤول يكرّس التنوّع كقيمة وطنية لا كعامل انقسام.
إلا أنّ الخلل لا يتوقّف عند هذا الحد، بل يتعمّق مع ضعف السلطة القضائية، التي يُفترض أن تشكّل الركيزة الأساسية لدولة القانون. فالقضاء، ولا سيّما في ما يتعلّق بملفات الفساد والمسؤوليات العامة، لم يتمكّن، في الممارسة العملية، من وضع يده بفعالية على هذه الملفات، أو من رسم بوصلة واضحة تميّز بين المذنب والبريء وفقًا لمعايير قانونية شفافة. ونتيجة لذلك، تُترك القضايا الكبرى للتقاذف الإعلامي ولمحاكمات شعبية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُبنى الاتهامات وتُوزَّع البراءات تبعًا للانتماءات لا للوقائع.
هذا الواقع لا يفرغ العدالة من مضمونها فحسب، بل يحوّل خطاب الكراهية إلى بديل عن القضاء، وإلى أداة لتصفية الحسابات السياسية والطائفية، في مشهد يعكس أحد أبرز مظاهر تفتّت الدولة وتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتها. غير أنّ غياب الدولة القادرة والقضاء الفاعل يجعل الخطاب العام أكثر حدّة وأقلّ انضباطًا، ويُضعف القدرة على التمييز بين النقد المشروع وكشف الفساد من جهة، وبين التشهير والتحريض وبناء الكراهية الجماعية من جهة أخرى.
إن خطاب الكراهية في لبنان ليس مسألة لغوية عابرة ولا انحرافًا ظرفيًا، بل هو نتيجة مباشرة لتراجع وظائف الدولة الأساسية، وفي مقدّمها إدارة الخلاف وتحقيق العدالة. فحين تفشل الدولة في تنظيم التنوّع، وحين يغيب القضاء عن دوره في تحديد المسؤوليات، يُترك المجتمع فريسة للاتهام المتبادل، ويتحوّل الاختلاف إلى عداء، والكلام إلى عنف رمزي يهدّد السلم الأهلي ويعمّق الانقسام.
غير أنّ مواجهة خطاب الكراهية تستدعي خلق أماكن للتلاقي والحوار، تتحرّر فيها الجماعات من الحواجز الوهمية التي راكمتها الهويات المختلفة والخطابات التحريضية. إن بناء مجتمع أكثر اتحادًا يمرّ عبر استعادة فكرة المجال العام كحيّز جامع، تُناقش فيه القضايا الخلافية بعقلانية ومسؤولية، ويُعاد فيه الاعتبار لقيم التضامن والاحترام المتبادل. وهذه الفسحات، سواء كانت ثقافية أو تربوية أو إعلامية أو مدنية، تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة خطاب الكراهية، لأنها تفكّك منطقه القائم على العزل والخوف، وتعيد وصل ما انقطع بين مكوّنات المجتمع.
من هنا، فإن حماية حرية التعبير لا تكون بإطلاقها في فراغ الانقسام، ولا بتقييدها باسم الأمن، بل بتمكينها ضمن إطار دولة قانون ومجتمع حيّ، قادرين على تحويل التنوّع من عامل تفكّك إلى مصدر غنى. وحدها دولة عادلة، بقضاء مستقل وخطاب عام مسؤول، وبمجتمع يخلق باستمرار مساحات للتلاقي والتحرّر من الأوهام الجماعية، قادرة على كبح خطاب الكراهية وبناء وحدة وطنية قائمة على الاختلاف لا على إلغائه.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
