في لبنان، لا يُكافأ من يحترم القانون، بل يُحاصَر. هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة سياسية تتكرّر مع كل محاولة جدية لإعادة الاعتبار إلى الدولة. ومن هذه الزاوية، لا تبدو حالة نواف سلام استثناءً، بل اختبارًا فاضحًا لطبيعة النظام نفسه.
المشكلة لا تكمن في الرجل، بل في البيئة التي يعمل فيها. فسلام لا يقوم بأكثر من التصرّف وفق ما يفترض أن يكون بديهيًا في أي دولة: الاحتكام إلى القانون. غير أنّ ما هو بديهي في الدول، يتحوّل في لبنان إلى سلوك إشكالي، بل استفزازي، لأنه يصطدم مباشرة بمنظومة قامت أساسًا على الالتفاف على القانون، لا تطبيقه.
هذه المفارقة ليست تفصيلًا. إنها جوهر الأزمة. فالنظام اللبناني لم يتعطّل لأن القوانين غائبة، بل لأن هناك إرادة دائمة لتعطيلها أو تكييفها وفق موازين القوى. وفي هذا السياق، يصبح أي تمسّك حرفي بالقانون خروجًا عن “اللعبة”، لا التزامًا بها.
من هنا، يبدو نواف سلام كجسم غريب داخل السلطة. لا لأنه غامض، بل لأنه واضح أكثر من اللازم. لا لأنه يفتقر إلى البراغماتية، بل لأنه يرفض تحويل القانون إلى أداة تفاوض. وهذه، تحديدًا، هي المشكلة. فالنظام لا يعادي الأشخاص، بل يعادي القواعد التي تهدّد آلياته.
لقد تبلور مسار الرجل حول فكرة بسيطة وخطيرة في آن: أن القانون يجب أن يُطبَّق. فكرة كهذه قد تبدو بديهية، لكنها في لبنان تطرح سؤالًا وجوديًا: ماذا يبقى من النظام إذا طُبّق القانون فعلًا؟ الجواب واضح: كثير مما يُدار في الظلّ سيسقط في العلن، وكثير من التوازنات الهشّة سيفقد مبرّر بقائه.
لهذا، لا يُفهم التوتر القائم حول نواف سلام بوصفه خلافًا سياسيًا عاديًا، بل كصراع بين منطقين متناقضين: منطق الدولة، حيث القانون مرجعية ملزمة، ومنطق السلطة، حيث القانون أداة قابلة للتعديل أو التعطيل. وما لا يريد كثيرون قوله صراحة، هو أن هذين المنطقين لا يمكن أن يتعايشا طويلًا.
التجربة، هنا، تتجاوز الشخص. إنها تكشف حدًّا فاصلاً: إمّا أن يكون القانون فوق الجميع، أو أن يبقى مجرّد نص يُستدعى عند الحاجة ويُهمَل عند التعارض مع المصالح. وفي الحالتين، لا مجال للتوفيق بين الخيارين.
الرهان على “حل وسط” بين دولة القانون ومنظومة الزبائنية ليس سوى وهم. فإمّا أن يُطبّق القانون، وعندها تتغيّر قواعد اللعبة بالكامل، أو أن يُستمر في تعطيله، وعندها لا معنى لأي خطاب إصلاحي.
بهذا المعنى، لا يمثّل نواف سلام مجرّد خيار سياسي، بل لحظة اختبار: هل يريد لبنان دولة فعلًا، أم أنه يكتفي بإدارتها كفكرة معلّقة؟ والأهم: هل المشكلة في الرجل، أم في نظام لا يستطيع تحمّل فكرة أن يُسأل، بجدية، السؤال الذي كان يسأله فؤاد شهاب: “شو بقول الكتاب؟”.

جان نمّور
محامٍ لبناني وناشط سياسي، يتمتع بخبرة واسعة في مجال تسوية النزاعات والتحكيم. حاصل على ديبلوم دراسات متخصّصة في المنازعات والتحكيم والطرق البديلة لحلّ النزاعات، ومتخصّص في مجال الوساطة في جامعة القديس يوسف. يعمل كمحكّم معتمد في عدد من القضايا القانونية.
يشغل أيضاً منصب مستشار في السياسات العامة والتشريع، وقد ساهم في إعداد وصياغة عدد من القوانين اللبنانية. له العديد من الدراسات القانونية المنشورة، ويُعرف بمساهماته الفاعلة في تطوير الإطار التشريعي وتعزيز آليات العدالة البديلة في لبنان.
