اذا أراد لبنان أن يكون جريئًا…

السياسة زعيمٌ ومغامرة… إنّها ليست بموظّف وإدارة

ضربةٌ فتراجع؛ إنّها فكرة سرقة شرعية ما أُخذ، وفكرة القضم التي تحدّثنا عنها قبل نحو عامين، والتي تنتهجها إسرائيل، كي تتحوّل نقطة الوصول هذه إلى محطة الوقوف، لا التوقّف «المشكور» من قبل الخصم، ومنطق الأهداف التي ظفر بالفوز بها. وكما سبق أن قلنا: إنّ الضربة أميركية وليست إسرائيلية، لا سيما بعد السيطرة على قلعة الشقيف، لكنّ فواصل هذه الأحداث، التي غابت عن نظر المراقبين، تصرّح بأنّ ترامب يجرّب قدرات نتنياهو، بعد إحباطه من نتائج الاعتماد عليها، في حين يحاول نتنياهو إثبات جدارته أمام ترامب لتنفيذ مهمّاته. وهو ما يقودنا إلى التنويه بأنّنا لم نتّفق لحظةً مع فرضيات تبعية ترامب لأهواء نتنياهو، التي يدين بها الجميع.

لم يصل حدّ التنسيق بين ترامب ونتنياهو، بحكم طبيعة الأشياء والمواقع، إلى حدّ استيعاب نتنياهو لمحاولات إسقاطه هو نفسه، والتي تعمّق أزمة ترامب من جانب آخر، بفعل ضغط الديمقراطيين من أجل تحقيق هذا الإسقاط، مع دعم تحالف بينيت – لابيد. وقد تكون التسريبات حول تفاصيل مكالمته مع ترامب قد تمّت بفعل قوة كهذه، إن لم تكن من ترتيب الديمقراطيين أنفسهم.

بالعودة إلى ترتيبات ترامب، التي تعتمد في هذه المراحل على ضرب إيران في خاصرة لبنان، من خلال إطلاق يد نتنياهو للحظةٍ تحدّها عين المراقبة قبل لجمها بتوقيت محدّد، اختار ترامب التعامل مع مشهد التفتيت هذا بطريقة استغربها الجميع، من خلال التواصل، ولو بطريقة غير مباشرة، مع حزب الله، الذي يصنّفه منظمة إرهابية، بواسطة نبيه برّي، لا باعتباره رئيسًا لمجلس النواب، بل باعتباره وكيلًا لحزب الله لا حليفًا له. وهنالك بالتأكيد فارق كبير بينهما لا مجال لتفصيله.

أمام عدم قدرة برّي على ضبط حزب الله، وفقًا لما يعرفه ترامب وخلافًا لما صرّح به برّي نفسه، ذهب ترامب في هذا الاتجاه ساعيًا خلف شقّ الصف الدولي الداعم لملف لبنان، بخاصة السعودية ومصر وقطر، متوسّلًا في ذلك اختيار طريقة كهذه تضمن عزل برّي وحيدًا ومنفصلًا، بحكم طبيعة سير الأمور، عن حزب الله أولًا، ومحور الدعم العربي ثانيًا، بحيث لا يمكنه الرجوع عودةً إلى الوراء بعد تقدّم هذا المسار. وما يعنيه كل هذا التركيب هو فصل إيران عن كل محاولات تجميع الحلفاء، أو على الأقل الحدّ من قدرتها على إبعاد حلفاء الولايات المتحدة عنها.

لقد غافل ترامب العالم الذي ظنّ أنّه يريد إنقاذ مسار التفاوض مع إيران عبر ضبط سلوك نتنياهو، من خلال صيغةٍ سحب فيها قبولًا جزئيًا بتنازل كلّي من قبل حزب الله عن جانبٍ ما، وهو ما قلناه قبل عامين. علاوة على ذلك، فقد فوّت على إيران فرصة الوقوف في مكان أبعد من مكان حصارها الحالي، الذي تقف فيه عاجزة عن تحريك مشهدها، وهي تنتظر حركة كهذه تسير بها فوق أخطاء ترامب.

لهذا، ليس غريبًا أن تهدّد بوقف تبادل الرسائل مع واشنطن، لكنّ الغريب أنّ الدولة في لبنان لم تفعل ذلك، وهي تسأل الجميع عن أوراق قوّتها، في الوقت نفسه الذي تحمل فيه هذه الأوراق بين يديها. فلو أنّ الدولة اللبنانية استخدمت حِذق السياسة، وانتهزت فرصة السيطرة على قلعة الشقيف، وقرّرت وقف عملية التفاوض، وأعلنت في الوقت نفسه بدء عمليات سحب سلاح حزب الله فورًا، لكانت غيّرت، خلال ساعات معدودة، وجه سير العملية كاملة، لا سيما مع تعبيد الطريق الوعر أمام المدّ الدولي الذي تعثّر في وعورة طريق المناورات وتلوّن المواقف.

في نصيحة جديدة يمكننا توجيهها إلى الرئيس اللبناني نقول: انتهز هكذا فرص، ولو احتاج الأمر تنسيقًا مع المحيط، أو حتى مع حزب الله ذاته، لكن وفقًا لأصول السياسة.

مقالات الكاتب

د. راشد الشاشاني

أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.