فيما يدرج مجلس الوزراء في جلسته المرتقبة غداً بند رواتب القطاع العام على جدول أعماله، تبرز مخاوف جدّية من أن يتحوّل هذا النقاش إلى مدخل جديد لتكريس خلطٍ قانوني خطير، يطال بنية الوظيفة العامة، ويُستخدم لتوسيع الاستفادة لتشمل فئات لا تملك أي صفة قانونية، بدل أن يشكّل فرصة لمعالجة الخلل البنيوي المزمن في الإدارة العامة.
في هذا السياق، يتقدّم إلى الواجهة دور الاتحاد العمالي العام كطرف يمارس تدخّلاً متزايداً في شؤون القطاع العام، يقوم على خلطٍ متعمّد بين صفة الأجير الخاضع لقانون العمل، والموظف العام الخاضع لقانون الموظفين. فالعمل في مرفق عام لا يمنح تلقائياً صفة الموظف العام، كما أن رفع الشعارات المطلبية لا يُنشئ صفة تمثيلية غير موجودة في القانون.
وبحسب القوانين اللبنانية النافذة، يمثّل الاتحاد العمالي العام الأجراء في القطاع الخاص حصراً، ولا يملك أي صفة قانونية تتيح له تمثيل الموظفين النظاميين أو المستخدمين في المؤسسات العامة. وحتى في الحالات التي يخضع فيها بعض المستخدمين لقانون العمل، فإن ذلك لا يمنح الاتحاد حق تمثيلهم، إذ إن لهذه الفئات مراسيمها وأنظمتها الخاصة، وتخضع لسلطة مجلس الخدمة المدنية. وهذا التمييز يشكّل ركيزة أساسية في النظام الإداري اللبناني، وأي تجاوز له يُعدّ اعتداءً مباشراً على مفهوم الوظيفة العامة وعلى مبدأ انتظام المرافق العامة.
بداية الخلل، ومعه تمدّد تدخّل الاتحاد العمالي العام، تزامنت مع تفشّي التوظيف العشوائي في القطاع العام بعشرات الآلاف، في مخالفة صريحة للقانون. وقد جرى استغلال هذا الواقع غير القانوني لتوسيع نفوذ الاتحاد داخل مرافق الدولة، رغم أن القانون الرقم 583/2004 ألزم جميع المؤسسات العامة والمجالس والهيئات والصناديق، باستثناء مصرف لبنان، بإجراء مباريات عبر مجلس الخدمة المدنية لتوظيف المستخدمين والمتعاقدين. إلا أن هذا الإطار القانوني جرى الالتفاف عليه من خلال عقود «شراء خدمات» وعقود مؤقتة تحوّلت عملياً إلى دائمة، ما أدّى إلى تعويم أوضاع غير قانونية، ومنح حقوق من دون أي أساس شرعي.
وبالتالي، فإن تدخل الاتحاد العمالي العام في هذا السياق لم يعد يكرّس حقوقاً بقدر ما يضرب مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، ويُضعف دور مجلس الخدمة المدنية، ويصادر حق المواطنين في الوصول إلى الوظيفة العامة وفقاً للمادة 12 من الدستور اللبناني. وبذلك، تتحوّل الإدارة العامة من مؤسسة يُفترض أن تقوم على الجدارة والاستحقاق، إلى مساحة زبائنية مقنّعة بشعارات مطلبية.
ويزداد الوضع سوءاً مع دخول الاتحاد إلى مجالس العمل التحكيمية، من خلال تسمية مستخدمين في مستشفيات حكومية كأعضاء فيها، ضمن مجالس العمل التحكيمية التي شُكّلت مؤخراً بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، رغم أن هذه المجالس أُنشئت أصلاً للنظر في نزاعات العمل في القطاع الخاص. ويؤدي هذا الواقع إلى تضارب مصالح فاضح، ويُفرغ هذه المجالس من غايتها القانونية، ويحوّلها إلى أداة لتكريس المخالفات داخل القطاع العام بدل معالجتها.
أما الأخطر أن هذا التمثيل استُخدم لترويج فكرة مفادها أن عمال «شراء الخدمات» غير القانونيين هم موظفون شرعيون يتمتعون بحقوق مكتسبة، ما يشكّل تبييضاً ممنهجاً للتوظيف المخالف للقانون، وضرباً مباشراً لدور مجلس الخدمة المدنية، ومحاولة لتكريس أمر واقع خارج أي إطار تشريعي أو دستوري.
وفي ضوء إدراج ملف رواتب القطاع العام على جدول أعمال جلسة الغد، يُخشى أن يُستغل هذا البند لتوسيع دائرة المستفيدين خارج الأطر القانونية، بدل أن يكون مدخلاً لإعادة الانتظام إلى الإدارة العامة. فأي بحث في الرواتب خارج إطار قانون الموظفين والقانون الرقم 583/2004 يُعدّ استمراراً لنهج ضرب الشرعية الإدارية، ولو تحت عناوين اجتماعية أو شعبوية.
خلاصة القول إن الاتحاد العمالي العام لا يمثّل القطاع العام، ولا يملك أي صفة قانونية تخوّله التدخّل في شؤونه. وأي محاولة لتعويم دوره داخل الإدارة العامة تشكّل مخالفة قانونية مقنّعة، تُهدّد أسس الوظيفة العامة.
فإصلاح القطاع العام لا يبدأ بتوسيع نفوذ النقابات داخل الإدارة، بل بإنهاء التوظيف غير الشرعي، واحترام القوانين المرعية الإجراء، وإعادة الاعتبار لمجلس الخدمة المدنية، وحماية المرافق العامة من الزبائنية التي تُغلّف نفسها بخطاب نضالي ظاهري.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
