«فرّق تسد»

تُعدّ قاعدة “فرّق تسد” واحدة من أقدم وأكثر الأدوات فعالية في التحكم بالمجتمعات. فهي لا تقوم على المواجهة المباشرة، بل على إعادة توجيه الصراع بحيث يتحول من صراع مع السلطة إلى صراع بين الأفراد أنفسهم. وتزداد فاعلية هذه الآلية في البيئات التي يعاني فيها الأفراد من ضعف في الوعي الاجتماعي والثقافي، أو يعيشون تحت ضغط اقتصادي قاسٍ، أو في حالات هشاشة نفسية متراكمة.

في مثل هذه الظروف، لا يتطلب الأمر تدخلًا كبيرًا لإحداث الانقسام؛ إذ يكفي زرع مشاعر الخوف والقلق في نفوس الأفراد. فالخوف يحدّ من قدرة الإنسان على تحمّل تعقيد الواقع، ويُضعف قدرته على التفكير النقدي، ويجعل العقل المرهق غير قادر على التعامل مع الأسئلة المركّبة أو المناطق الرمادية. وعند هذه النقطة، يلجأ الفرد إلى أبسط آليات الدفاع النفسي المتاحة لديه: تبسيط العالم.

هذا التبسيط لا يبقى في حدود الإدراك الفردي، بل يأخذ شكلًا ثنائيًا حادًا، حيث يُعاد تشكيل الواقع ضمن تقسيمات قطعية. فيتحول العالم من فضاء مليء بالتنوع والتباين إلى مشهد ثنائي مغلق: “نحن” في مقابل “هم”. نحن نمثل الخير، وهم يمثلون الشر. نحن الضحية، وهم السبب. نحن المظلومون، وهم الظالمون.

في هذه اللحظة، لا يعود العقل منشغلًا بالبحث عن الحقيقة، بل يصبح منشغلًا بإيجاد طريقة لتخفيف القلق الداخلي. وهنا يدخل المجتمع في حالة نفسية جماعية يمكن توصيفها بمفهوم “الانشطار” (Splitting) كما هو معروف في التحليل النفسي. وهي آلية دفاعية بدائية تدفع العقل إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات مطلقة: خير مطلق وشر مطلق، في محاولة للهروب من عبء التعقيد.

نتيجة لذلك، تختفي كل الأبعاد الإنسانية المركّبة، بما تحمله من تناقضات ودرجات رمادية، ويصبح من الأسهل على الأفراد التمسك بصورة نقية عن الذات، مقابل إسقاط كل ما هو سلبي على الآخر.

غير أن خطورة هذه الآلية لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتُنتج ظاهرة اجتماعية أوسع، هي الاستقطاب (Polarization). فالانشطار النفسي يتحول إلى حالة جماعية، حيث ينقسم المجتمع إلى معسكرين متقابلين، يتشبث كل منهما بروايته الخاصة، ويتعزز لديه الشعور بالخوف من الطرف الآخر. ومع مرور الوقت، لا يعود الهدف فهم الواقع، بل الانتصار في مواجهة الخصم.

يمنح هذا الانقسام شعورًا وهميًا بالسيطرة، إذ إن تحديد “عدو واضح” يخلق انطباعًا بأن الفوضى أصبحت مفهومة وقابلة للإدارة. غير أن هذا الشعور يخفي في طياته تحولات خطيرة في السلوك الإنساني. فحين يُختزل الآخر إلى مجرد “فئة”، تُسحب منه إنسانيته، ويصبح من الأسهل تبرير القسوة تجاهه، أو حتى تمني الأذى له، أو قبول العنف ضده.

وهذا تحديدًا يشكّل الشرط النفسي الأول لكل أشكال العنف الجماعي عبر التاريخ. من هنا، لا يمكن النظر إلى “فرّق تسد” باعتبارها مجرد أداة سياسية، بل يجب فهمها كآلية نفسية عميقة تقوم على استغلال إحدى أقدم آليات الدفاع في العقل البشري: الانقسام.

وفي لحظات التوتر القصوى، حيث يتصاعد الخوف وتصبح الأرض مهددة، تزداد خطورة الانخراط في هذه الآلية. إذ إن الاستمرار في إنتاج الانقسام لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.

في المقابل، لا يكمن الحفاظ على الأرض في تكريس الانقسام، بل في القدرة على الوقوف المشترك رغم الاختلاف. فالتباين في الرؤى، وتعدد القراءات، وحتى ضبابية المشهد، لا ينبغي أن تتحول إلى أسباب للتفكك.

ذلك أن الأرض لا تُحفظ بالكراهية، بل تُحفظ عندما تبقى هناك رابطة تتجاوز الخوف: الإنسانية المشتركة بين الناس.

مقالات الكاتب

ستيفاني غانم

معالجة نفسية.