ألقى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الأسبوع (الماضي) خطابًا مهمًا إلى الأمة حول تطورات الحرب مع إيران. وبعد مرور شهر على هذه المرحلة من النزاع، يبدو من المفيد تقييم مدى تقدّم الولايات المتحدة نحو تحقيق أهدافها العسكرية الأولية، وحالة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، والتداعيات الاقتصادية المحتملة، ولا سيما ما يتصل بمضيق هرمز.
الأهداف العسكرية: إنجاز جزئي لا يروي القصة كاملة
إن حجم الضرر الذي لحق بالقدرات العسكرية الإيرانية لا يثير أي شك. ففي لقاء جمعني الشهر الماضي مع المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الأميركية، إلبريدج كولبي، في مجلس العلاقات الخارجية، أوضح أن الرئيس وجّه القوات الأميركية إلى تنفيذ حملة عسكرية تركز على إضعاف وتدمير قدرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إسقاط قوتها العسكرية في المنطقة، وربما خارجها.
وقد تُرجم ذلك إلى استهداف البحرية الإيرانية، وقدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، سواء المخزون الحالي أو القدرة على إنتاج هذه الأسلحة، إضافة إلى القدرة الإيرانية على حماية برنامجها النووي.
في هذا الإطار، قد يكون بإمكان الرئيس أن يعلن إلى حدٍّ كبير “إنجاز المهمة”. غير أن هذه العبارة، كما حدث عندما استخدمها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج دبليو بوش، لا تعكس الصورة الكاملة.
فمنذ بداية الحرب، نفذت الولايات المتحدة ضربات استهدفت أكثر من أحد عشر ألف هدف. وعلى الرغم من أن البحرية الإيرانية تعرّضت لضربات قاسية، فإن أسطول الزوارق السريعة الصغيرة والمراكب التقليدية القادرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لا يزال يعمل إلى حد كبير.
وبالمثل، وعلى الرغم من تراجع القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية بشكل كبير، فقد أثبتت إيران أنها قادرة، بعدد محدود من المقذوفات، على تعطيل الملاحة في المضيق من خلال خلق حالة من الردع لدى شركات الشحن وشركات التأمين.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ قُتل ثلاثة عشر جنديًا أميركيًا منذ بداية الحرب نتيجة ضربات إيرانية، فضلًا عن خسائر في منطقة الخليج نتيجة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية.
وبتعبير مقتبس من هنري كيسنجر في مقال نشره عام 1969 حول نزاع غير متكافئ، يمكن القول إن إيران تنتصر إذا لم تخسر، بينما تخسر الولايات المتحدة إذا لم تنتصر.
تغيير القيادة لا يعني تغيير النظام
رغم مقتل عدد كبير من القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، فإن ما شهدناه حتى الآن هو تغيير في القيادة وليس تغييرًا في النظام. كما تبقى قضية نحو 970 رطلاً من اليورانيوم المخصب بدرجة قريبة من الاستخدام العسكري داخل إيران مسألة مقلقة – وربما يكون هذا اليورانيوم مدفونًا تحت أنقاض منشأة نطنز أو في أصفهان (في الوقت الراهن، يشير ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستراقب مواقع هذا اليورانيوم، وقد لمح إلى أن القيادة الإيرانية الحالية أكثر اعتدالًا من سابقتها).
مأزق دبلوماسي واضح
دبلوماسيًا، يبدو أن التداخل بين المقترح الأميركي المؤلف من خمسة عشر بندًا والرد الإيراني المؤلف من خمسة بنود محدود للغاية. فالولايات المتحدة تتمسك بمطالبها الأساسية، المتمثلة بإنهاء البرنامج النووي الإيراني، وبرنامج الصواريخ، ودعم الوكلاء الإقليميين، فيما تسعى إيران إلى رفع العقوبات، والحصول على ضمانات دولية ضد أي ضربات مستقبلية أميركية أو إسرائيلية، إضافة إلى ضمانات تتعلق بسيادتها وحقوقها في مضيق هرمز.
انسحاب محتمل… وإعادة تعريف المسؤوليات
قد يقرر ترامب إعلان النصر والانسحاب حتى من دون التوصل إلى اتفاق تفاوضي ينهي الأعمال العدائية. ويبدو أن هذا التوجه ينسجم مع تصريحاته الأخيرة التي اعتبر فيها أن إعادة فتح مضيق هرمز ليست مسؤولية الولايات المتحدة بل مسؤولية الدول الأخرى. وقد أشار ترامب إلى أن الدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق، مثل المملكة المتحدة، يجب أن تتحمل مسؤولية تأمينه بنفسها، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة للتدخل كما في السابق.
استقلال الطاقة لا يعني الحصانة الاقتصادية
تشير الأرقام إلى أن نحو 2 في المئة فقط من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز يتجه إلى الولايات المتحدة، بينما يذهب نحو 80 إلى 85 في المئة إلى آسيا – لا سيما إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. أما أوروبا، فلا تحصل إلا على نسبة محدودة تتراوح بين 3 و5 في المئة. وينطبق الأمر ذاته على الغاز الطبيعي المسال، حيث لا تعتمد الولايات المتحدة على الخليج، بينما تتجه معظم الإمدادات إلى آسيا وأوروبا.
غير أن الاستقلال النسبي في الطاقة لا يعني الحصانة الاقتصادية. إذ تشير تقديرات مؤسسة “غولدمان ساكس” إلى أن صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب قد تخفّض النمو الاقتصادي العالمي بنحو 0.4 في المئة، مع تأثير مباشر أيضًا على الاقتصاد الأميركي نتيجة تراجع الطلب العالمي.
الهيليوم… العامل الاستراتيجي غير المتوقع
إلى جانب النفط والغاز، يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الهيليوم. فالأخير عنصر أساسي في تصنيع أشباه الموصلات، ولا توجد بدائل فعالة له في العمليات الصناعية الدقيقة. تنتج قطر نحو 30 في المئة من الهيليوم العالمي، وقد توقّف الإنتاج بسبب النزاع، فيما بقيت المخزونات عالقة في مواقع التخزين الساحلية. وقد يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى تباطؤ إنتاج الرقائق الإلكترونية وارتفاع أسعارها، ما قد يؤثر في مراكز البيانات، وتطور الذكاء الاصطناعي، والمنافسة الأميركية مع الصين في هذا المجال.
الأمس واليوم…
قبل غزو العراق عام 2003، نقل وزير الخارجية الأميركي آنذاك، كولن باول، إلى الرئيس بوش ما عُرف بـ”قاعدة متجر الخزف”: إذا كسرت شيئًا، تصبح مسؤولًا عنه. ومن نافل القول إن مضيق هرمز كان قبل بدء الهجمات على إيران في شباط الماضي، مفتوحًا. أما اليوم… فهو الآخر بات “مكسورًا”.
ترجمة بتصرف
بقلم / مايكل فرومان – رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
