الصمت المدَويّ… العالم يبتلع صوته أمام ضربة واشنطن لطهران

لا يمكن قراءة غياب الإدانات الدولية كمجرّد تفصيل عابر في مشهد التصعيد، بل هو بحد ذاته الحدث الأبرز. فحين تختار الدول الصمت في لحظة اختبار كهذه، فهي لا تتخلى فقط عن خطابها المبدئي، بل تعلن بشكل غير مباشر قبولها بقواعد لعبة مختلفة، تُدار خارج النصوص القانونية التقليدية.

لفهم هذا الصمت، لا بد من الغوص أعمق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد القوة مجرّد عنصر من عناصر السياسة، بل أصبحت هي القاعدة التي تُعيد تعريف القانون نفسه. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى والأكثر نفوذاً، لا تتحرك فقط ضمن النظام الدولي، بل تملك القدرة على إعادة تشكيله. هذا الواقع يجعل كثيراً من الدول تتعامل معها وفق منطق “إدارة المخاطر” لا “إعلان المواقف”.

أي أن السؤال، وبدل أن يكون: “هل الضربة مشروعة؟”، بات: “ما كِلفَة الاعتراض عليها؟”

في هذا السياق، تخشى دول كثيرة من أن تتحوّل أي إدانة علنيّة إلى ثمن سياسي أو اقتصادي أو حتى أمني. فالعلاقات مع واشنطن متشعبة إلى حدّ يجعل من الصعب فصل السياسة عن الاقتصاد أو الدفاع. من أوروبا إلى آسيا، ترتبط دول عديدة بشبكات عميقة من التحالفات العسكرية والاتفاقيات التجاريّة والتكنولوجيّة مع الولايات المتحدة، ما يجعل معارضتها خطوة مكلفة وغير مضمونة النتائج.

في المقابل، يلعب موقع إيران في النظام الدولي دوراً محوريّاً في هذا الصمت، إذ إن طهران، التي تعيش منذ عقود تحت وطأة العقوبات والتوتر مع الغرب، لا تحظى بذات التعاطف الدولي الذي قد تحظى به دول أخرى في حال تعرّضت لهجوم مماثل. بل إن صورتها، المرتبطة بملفات مثل البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، تجعل بعض الدول ترى في استهدافها مسألة قابلة “للتفهّم” ويجب غضّ النظر عنها، حتى وإن لم تُعلن ذلك صراحة.

لكن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند التحوّلات الكبرى في موازين القوى العالمية. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الصين، لم تعد تتبنى نهج المواجهة المباشرة، بل تفضّل التمدّد الهادئ وتجنب الانخراط في صراعات قد تستنزفها مبكراً. أما روسيا، المنشغلة في صراعاتها الخاصة، تدرك أن فتح جبهة سياسيّة حادّة مع واشنطن في هذا التوقيت قد يضاعف الضغوط عليها. وهكذا، يصبح الصمت خياراً استراتيجياً، لا ضعفاً… بل لغةً بحدّ ذاته، تُدار بها التوازنات، وتُخفى خلفها الحسابات، إلى أن يحين وقت الكلام، ولن يحين.

إقليمياً، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، فبعض الدول العربية، التي ترى في إيران منافساً أو تهديداً، تجد نفسها أمام معادلة حساسة. فهي، وبكل بساطة، لا يمكنها تأييد الضربة علناً لما يحمله ذلك من تداعيات شعبيّة وسياسيّة، لكنها في الوقت نفسه لا تجد مصلحة في إدانتها. فينتج عن ذلك موقف رمادي، عنوانه الصمت، ومضمونه إعادة تموضع ضمن ميزان قوى متغير.

أما الأمم المتحدة فتعكس مرة أخرى حدود النظام الدولي الرسمي حيث يتحوّل مجلس الأمن المشلول بتوازنات الفيتو، في مثل هذه الحالات، إلى منصة خطابيّة أكثر منه أداة فاعلة. وعندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفاً مباشراً، يصبح إصدار إدانة واضحة أمراً شبه مستحيل، ما يعزز شعوراً عالميّاً بازدواجية المعايير.

الأهم من كل ذلك أن هذا الصمت لا يعكس فقط حسابات الحاضر، بل خوف من المستقبل، حيث أن الفوضى الإقليمية تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية والأمن الدولي. وبالتالي، فإن الامتناع عن الإدانة قد يكون محاولة لتجنب صب الزيت على النار، ولو على حساب المبادئ.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلّما ازداد الحديث عن القانون الدولي، تراجع حضوره الفعلي، وكلّما ارتفعت شعارات السيادة، أصبحت أكثر هشاشة أمام حسابات القوّة. وبين الصمت والإدانة، تختار الدول ما يحمي مصالحها.

في المشهد الدولي، لا يمكن اعتبار الصمت دائماً حياداً، ولا تُفسَّر قلّة المواقف على أنها توافق ضمني. فخلف هذا الهدوء الظاهري، تتكدّس حسابات معقّدة، وتتصارع مصالح متناقضة، وتُرسم خطوط تماس غير مرئية بين قوى كبرى تدرك تماماً كلفة المواجهة المفتوحة.

تبدو العواصم وكأنها اختارت الوقوف في منطقة رمادية، لا هي في صف الإدانة الصريحة ولا هي في موقع التأييد العلني. لكن هذا التموضع ليس توازناً بقدر ما هو هروب إلى الأمام، ومحاولة لشراء الوقت في لحظة دولية شديدة الهشاشة. العالم اليوم لا يعيش لحظة استقرار، بل لحظة ترقّب مشدود، حيث أي كلمة قد تُشعل ما لا يمكن احتواؤه.

وهنا تحديداً، يصبح الصمت لغة بحد ذاته… لغة الخوف، ولغة المصالح، ولغة العجز أحياناً، لكنه أيضاً لغة الانقسام العميق الذي لم يعد بالإمكان إخفاؤه بالكامل. إن هذا الصمت ليس حياداً ولا إجماعاً، بل انقسام مكشوف يُخفيه العالم عمداً، لأن الحقيقة أخطر من أن تُقال.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.