كيف سيُرسم مستقبل الجنوب بين لبنان وإسرائيل؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

يتقدّم مسار التسوية بين لبنان وإسرائيل ببطء شديد فوق حقل من الألغام السياسية والعسكرية، فيما تبدو المنطقة واقفة على حافة معادلة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية بالضغوط الدولية والتوازنات الداخلية اللبنانية.

فمنذ الإعلان عن انطلاق مفاوضات مباشرة بين الجانبين مطلع عام 2026، عاد الحديث عن إمكانية الانتقال من هدنة هشّة إلى تسوية أوسع، في مشهد أعاد إلى الأذهان محطات تفاوضية سابقة بدأت بوعود كبيرة وانتهت عند حدود الوقائع الميدانية المعقّدة.

وجاء هذا التحول الدبلوماسي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة رسم ترتيبات الأمن الحدودي في جنوب لبنان ضمن مقاربة أوسع ترتبط بأمن إسرائيل من جهة، وبمحاولة تثبيت الاستقرار في شرق المتوسط من جهة أخرى. غير أنّ المفاوضات الحالية تختلف عن كل المحطات السابقة، لأنها تأتي بعد حرب استنزاف طويلة وما خلّفته من دمار واسع في الجنوب اللبناني، وفي ظل اقتناع دولي متزايد بأنّ استمرار الوضع الحالي يهدد بانفجار أكبر قد يتجاوز حدود لبنان وإسرائيل معاً.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه الدبلوماسية الغربية عن كوّة لإنجاز تفاهم تاريخي، تبدو الوقائع على الأرض أكثر تعقيداً. فلبنان الرسمي يخوض المفاوضات تحت طلب أولوية وقف الحرب أولاً واستعادة السيادة الكاملة على أراضيه، فيما تتعامل إسرائيل مع أي انسحاب محتمل باعتباره جزءاً من ترتيبات أمنية طويلة الأمد لا مجرّد تنفيذ تقني لوقف إطلاق النار. وبين هذين المنطقين تقف معضلة سلاح حزب الله جنوباً بوصفها العقدة الأكثر حساسية في كامل المسار التفاوضي.

منذ الأيام الأولى للمفاوضات، حاولت الحكومة اللبنانية تثبيت ثلاثية واضحة تقوم على:

  • وقف شامل لإطلاق النار
  • إنسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية
  • إعادة الأسرى والمحتجزين

وقد تعمّد رئيس الحكومة اللبنانية التأكيد مراراً أنّ الدولة اللبنانية وحدها تملك حق التفاوض باسم لبنان عبر مؤسساته الدستورية، في رسالة داخلية وخارجية في آن، هدفها تكريس موقع الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة في أي اتفاق مستقبلي.

في المقابل، تنطلق إسرائيل من مقاربة مختلفة تماماً، إذ تعتبر أنّ أي انسحاب لا يمكن أن يتم قبل توفير ضمانات أمنية صارمة تتعلق بمنع إعادة تموضع حزب الله جنوب الليطاني وتقييد قدراته العسكرية. كما تصرّ تل أبيب على الاحتفاظ بما تسميه “حق الدفاع الاستباقي عن النفس”، وهي صيغة تثير قلقاً لبنانياً واسعاً خشية أن تتحول إلى غطاء دائم للغارات والانتهاكات حتى بعد أي اتفاق محتمل.

أما حزب الله، فيتعامل بحذر شديد مع كامل المسار التفاوضي، وهو يدرك أنّ الضغوط الدولية الحالية لا تستهدف فقط تثبيت وقف إطلاق النار، بل تسعى أيضاً إلى إدخال تعديلات جوهرية على قواعد الاشتباك التي حكمت الجنوب منذ عام 2006. لذلك يُبدي الحزب تحفظات واضحة على أي مسار تفاوضي يجري فيما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية في ظل غياب التزام إسرائيلي واضح بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.

وفي العمق، لا تبدو معضلة الانسحاب الإسرائيلي مسألة تقنية مرتبطة بترسيم خطوط أو تحديد جداول زمنية فحسب، بل تمثل جوهر الصراع السياسي والأمني بين الطرفين. فلبنان يطالب بانسحاب فوري وشامل من جميع الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، انطلاقاً من اعتبار أنّ أي بقاء عسكري إسرائيلي يشكل استمراراً للاحتلال وانتهاكاً مباشراً للسيادة اللبنانية، غير أنّ إسرائيل تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ تربط أي انسحاب بمدى التزام الدولة اللبنانية بتنفيذ ترتيبات أمنية صارمة على الأرض.

ومن هنا يبرز سيناريو الانسحاب التدريجي بوصفه الأكثر واقعية في الحسابات الدولية الحالية. فهذا النموذج يقوم على مراحل متتالية، تبدأ بـ:

  • انسحاب إسرائيلي من المناطق السكنية المكتظة والمدن الحدودية
  • انتقال إلى المناطق ذات الحساسية العسكرية
  • انسحاب كامل يرتبط بتثبيت انتشار الجيش اللبناني وتعزيز آليات المراقبة الدولية

وتراهن واشنطن والدول الغربية على هذا المسار باعتباره حلاً وسطاً يخفف مخاوف إسرائيل الأمنية من جهة، ويمنح لبنان فرصة استعادة أراضيه تدريجياً من جهة أخرى. غير أنّ هذا السيناريو يحمل في داخله بذور أزمة طويلة إذا لم يقترن بضمانات واضحة وجدول زمني ملزم. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أنّ الانسحابات المرحلية كثيراً ما تتحول إلى وقائع دائمة تحت عنوان “الضرورات الأمنية”، خصوصاً عندما تكون الحدود قابلة للاشتعال في أي لحظة. ولذلك تخشى الحكومة اللبنانية أن يتحول مفهوم “المنطقة الأمنية المؤقتة” إلى نسخة جديدة من الحزام الحدودي الذي أقامته إسرائيل لعقود في جنوب لبنان.

ولا تتوقف التعقيدات عند البعد العسكري وحده، بل تمتد إلى البنية السياسية اللبنانية نفسها، فالدولة اللبنانية تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية. فمن جهة هناك حاجة داخلية ودولية لتكريس احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني، ومن جهة ثانية هناك توازنات سياسية وطائفية تجعل أي مقاربة حادة لهذا الملف قابلة لإشعال انقسامات داخلية عميقة. ولهذا تبدو الحكومة اللبنانية حريصة على اعتماد مقاربة تدريجية تحاول الجمع بين تثبيت سلطة الدولة وتجنب انفجار داخلي مواز.

كما أنّ استمرار الخروقات الإسرائيلية يهدد أي تقدم تفاوضي محتمل. فالهدنة الحالية ما تزال هشة للغاية مع استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة خاصة في الجنوب، وردود الفعل الميدانية المحدودة، الأمر الذي يعكس انعدام الثقة الكامل بين الطرفين.

أما الولايات المتحدة، فتبدو مصممة على دفع الطرفين نحو تسوية أوسع، ليس فقط لإنهاء الحرب الحالية، بل أيضاً لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الجنوب اللبناني بما يتلاءم مع التوازنات الإقليمية الجديدة. إلا أنّ قدرة واشنطن على فرض تسوية نهائية تبقى مرتبطة بمدى استعدادها للضغط على إسرائيل في ملف الانسحاب، لا الاكتفاء بممارسة الضغط على لبنان وحده في مسألة السلاح والضبط الأمني.

وفي الواقع، لا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات الإقليمية الكبرى الجارية في المنطقة، فالتفاوض اللبناني الإسرائيلي يتقاطع مع مسارات أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني، وإعادة رسم شبكة التحالفات العربية، ومحاولات الولايات المتحدة تثبيت ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. ولذلك فإنّ أي اتفاق محتمل لن يكون مجرد تفاهم حدودي محدود، بل جزءاً من مشهد إقليمي أكبر.

وفي ضوء كل ذلك، يبدو أنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال المرحلة المقبلة ليس اتفاق سلام شامل بالمعنى التقليدي، بل صيغة متدرجة تقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني جنوباً، وربط الانسحاب الإسرائيلي بمراحل تنفيذية واضحة وتفاهمات أمنية مدعومة دولياً. وقد يفتح نجاح هذا المسار الباب لاحقاً أمام تفاهمات أوسع تتعلق بترسيم الحدود البرية ومعالجة النقاط المتنازع عليها، لكنه سيبقى عرضة للانهيار في أي لحظة إذا غابت الإرادة السياسية الحقيقية.

وعليه، تبقى الفجوة بين وقف إطلاق النار والانسحاب الكامل أخطر مراحل أي تسوية لبنانية إسرائيلية. فهذه المساحة الرمادية هي التي تحدد ما إذا كانت الهدنة ستتحول إلى استقرار مستدام، أم إلى مجرّد استراحة مؤقتة بين جولات صراع جديدة.

وبين الضغوط الأميركية والحسابات الإسرائيلية والتوازنات اللبنانية الداخلية، يقف لبنان أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الدقة، إما تحويل هشاشة اللحظة الراهنة إلى فرصة لإعادة تثبيت الدولة والسيادة، وإما الدخول في مرحلة طويلة من التفاوض المفتوح تحت سقف النار والضمانات الأمنية المؤجلة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.