التقسيم، والتفتيت، والانفصال، على إيقاع الحروب الأهلية.
هذه هي النغمة السائدة الآن في منطقة المشرق المتوسطي بأسرها، من ليبيا والسودان في شمال إفريقيا وأطرافها، إلى سوريا والعراق ولبنان، وصولًا إلى إيران وتركيا في قلب غرب آسيا، وحتى باكستان في أقصى جنوب القارة.
فلا حديث للناس الآن، مثلًا، في منطقة الهلال الخصيب تحديدًا، سوى عن نهاية حقبة سايكس–بيكو، والبدء برسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، تطرّزها دويلات طائفية أو عرقية جديدة، وتتحوّل معها الدولة التلمودية اليهودية في فلسطين إلى القاعدة بدلًا من أن تكون الاستثناء.
وعلى إيقاع هذه النغمة السائدة يرقص الجميع في هذه المرحلة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التقسيمات والانفصالات حتمية وآتية لا ريب فيها؛ لكونها القابلة القانونية الوحيدة للتاريخ الشرق أوسطي الجديد، الذي يشق طريقه هذه الأيام كسيل دافق في مختلف أنحاء المنطقة.
فمن في وسعه، بعد ذلك، أن يقول إن سوريا، على الرغم من التغييرات الحالية فيها، قادرة على أن تعود دولة واحدة موحّدة عقب انتهاء الحرب الأهلية «الساخنة» فيها، بعدما أعاد العلويون والدروز والسنّة وبعض المسيحيين رسم العلاقات بينهم سابقًا بالحديد والنار والبراميل المتفجرة، والآن بمتفجرات العصبيات الأيديولوجية، ناسفين، بشطبة قلم، كل رومانسيات القومية العربية والأحلام الوردية للوطنية السورية؟
ومن في مقدوره، بعد ذلك، أن يقول إن السنّة والشيعة في العراق عادوا إلى حضن الوطنية العراقية، ناهيك بحضن النبض العروبي الدافئ، المتجاوز لإرث الحروب الصفوية–العثمانية، بعدما تحقق التطهير الطائفي تقريبًا في بغداد، واستؤنفت معارك معاوية وعلي بن أبي طالب، وكأنها توقفت بالأمس فقط؟
الشيعة العراقيون، أو على الأقل كثيرون منهم، يهتفون الآن: «الشعب يريد عودة المهدي». والسنّة العراقيون، أو على الأقل كثيرون منهم، يصرخون: «الشعب يريد عودة الخليفة السنّي». وبالطبع، فإن المصالحة بين المهدي، الذي يُفترض أنه سيقرر العودة للانتقام، والخليفة السنّي المصمم على قتله بصفته منازعًا له على السلطة، أمر محال.
في السودان، شفى الجنوبيون غليلهم الانفصالي وأقاموا دولتهم، على الرغم من أنهم يبدون نادمين الآن على ما فعلوه، فيما ينشط آخرون للانفصال في دارفور والنيل الأزرق، تبركًا بما سبق الندم الجنوبي.
وفي اليمن، قد لا يطيل الحوثيون الزيديون والجنوبيون، ذوو الأغلبية السنّية، الانتظار كثيرًا للحصول على حصصهم عبر الترتيبات الإقليمية، فيندفعون إلى شق طريق الانفصال بالقوة.
وفي لبنان، ستكون معجزة إذا ما توقفت مباضع التقسيم في سوريا والعراق عن دفع بلاد الأرز إما نحو الفرز الجغرافي المذهبي والطائفي، وإما نحو تقاسمها بين الجيران الإقليميين.
وقل الأمر نفسه في شأن بعض الدول الخليجية، مثل البحرين وقطر والسعودية، وربما عُمان والكويت أيضًا، ولا سيما بعدما بدأت تتهاوى خيمة الأمان الأميركية التي حمتها طويلًا من العواصف الرملية الجامحة، منذ اتفاق الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت عام 1945 في منطقة البحيرات المرّة في مصر، في إطار معادلة «الأمن مقابل النفط».
أمران خطيران
الموضة، إذًا، هي للانفصالات أو لـ«تقسيم التقسيم»، كما يحلو لبعضهم أن يقول. لكن هذه الموضة، على قوتها، تغفل أمرين بالغي الخطورة:
الأول هو أنه، عند الحديث عن نهاية اتفاقات سايكس–بيكو، يجري تجاهل حقيقة أن هذه الترتيبات البريطانية–الفرنسية، التي وُضعت في مطلع القرن العشرين، حلّت محل ترتيبات عثمانية، سبقتها ترتيبات إمبراطورية عربية ورومانية وفارسية، كانت فيها المناطق نفسها، التي نشأت فيها «الدول–الأمم» الجديدة، متعايشة ضمن كيانات متشابهة تقريبًا. فكانت هناك، مثلًا، ولاية الشام، وولاية عكا، وولاية بيروت، وولاية الموصل، وولاية بغداد، وغيرها.
وبكلمات أوضح، على الرغم من أن اتفاقات سايكس–بيكو وضعت هدف الوحدة العربية، أو فكرة توحيد هذه المناطق كلها في دولة–أمة واحدة، على الرف، فإنها لم تخلق، في الواقع، خرائط جديدة بقدر ما أدخلت تعديلات على حدود الولايات العثمانية والإمبراطوريات السابقة. وكان الفارق الوحيد أن باريس ولندن حلّتا محل إسطنبول، بصفتهما المرجعية القانونية والأمنية لهذه «الولايات» الجديدة.
ويُعدّ إدراك هذه المسألة مهمًا بوصفه وسيلة لمحاولة استشراف المآل الذي قد تفضي إليه أحاديث الانفصالات الراهنة في المنطقة. فالبوصلة هنا تشير إلى أنه، مهما تشظّت دول سايكس–بيكو الراهنة، فإن الولايات أو الدول الجديدة ستكون محكومًا عليها بالتعايش مجددًا، سواء ضمن صيغ ثنائية أو ثلاثية، أم في إطار اتحاد كونفدرالي على نمط الجامعة العربية، أم اتحاد فيدرالي على طراز الاتحاد الأوروبي؛ إلا، بالطبع، إذا قرر سكان هذه المناطق إبادة بعضهم بعضًا باعتبار ذلك «حلًا نهائيًا».
هذا في ما يتعلق بإغفال الأمر الأول.
أما الأمر الثاني، فيرتبط بحق تقرير المصير الحقيقي الذي تريده شعوب مناطق سايكس–بيكو وما بعدها.
صحيح أن المناخ التعبوي العام الذي تعيشه هذه «الولايات» الآن تغشاه بقوة النزعات المذهبية الشيعية والسنّية، ويغذّيه بعنف الصراع بين الهلالين الشيعي، بقيادة إيران، والسنّي، بزعامة السعودية ومن ورائها تركيا، إلا أن ذلك لا يعني أن الغالبية ضمن هذين المكوّنين تؤيد الحل الدموي والعنيف للنزاعات.
وهذه بديهية تؤكدها المعطيات التاريخية، التي يشير معظمها إلى أن خيار العنف اقتصر على أقلية ضئيلة في المجتمع. وينطبق هذا بصورة أوضح على الصراع المذهبي الراهن في المنطقة، إذ إن استحالة تحقيق نصر نهائي لأي من الطرفين ستدفع، في لحظة ما، الأكثرية غير العصبوية لديهما إلى الضغط من أجل التوصل إلى تسويات وحلول وسط، أو حتى إلى إعلان ثورة الدين على السياسة والطائفية والمذهبية.
أجل، إن بيارق التقسيم والانفصالات ترفرف عاليًا هذه الأيام في كل مكان من المنطقة. لكن هذه المرحلة ستكون، على الأرجح، عابرة، وإن كانت دموية للغاية، للسبب الجوهري الذي أشرنا إليه، وهو استحالة تحقيق أي من أطراف الصراع نصرًا نهائيًا، واستحالة انعزال أي من الكيانات الجديدة التي قد تظهر، بما في ذلك الكيان الكردي؛ ما دام أحد في الغرب لن يكون مستعدًا لتمويل عزلة على النمط الإسرائيلي بآلاف مليارات الدولارات.
ومجرد إدراك هذه الحقيقة قد يكون كافيًا لإطلاق شرارة وعي جديد في المنطقة، يقوم على العقل والعقلانية والتضامن والعيش السلمي المشترك، بدلًا من جنون الغرائز والتناحر والانتحار المشترك.

سعد محيو
كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.
