هندسة أمنية جديدة على وشك الولادة في «الشرق الأوسط»… ولكن؟

ثرثرة إسرائيلية وترقّب إيراني فوق ضفاف البوسفور

أكثر طرفين سيكونان معنيَّين حتى الثمالة بما قد تسفر عنه قمة حلف شمال الأطلسي، التي تُعقد في أنقرة، هما إسرائيل وإيران.

فتل أبيب، التي بدأت أصلاً الاستعداد لمجابهات مع أنقرة تتمحور حول من ستكون له اليد العليا في النظام الإقليمي المشرقي، تجد في احتمال تبنّي 32 دولة أطلسية، أو العديد منها، بما في ذلك ربما الولايات المتحدة، دوراً استراتيجياً تركياً جديداً داخل أوروبا وعلى حدودها، وفي شرق المتوسط والخليج، تهديداً تاريخياً لمبرر وجودها نفسه كقلعة غربية متقدمة في قلب العالم العربي ـ الإسلامي، وتقييداً لكل طموحاتها التوسعية.

صحيح أن هذا القلق ليس مطلقاً، بسبب وجود كابح أميركي، حتى الآن، للنفوذ التركي المستجد، إلا أن هذا لا يطمئن المخططين الاستراتيجيين في تل أبيب إلى احتمال ولادة لحظة قد يقرر فيها الغرب، بشطريه عبر الأطلسي، منح تركيا دوراً قيادياً جديداً أوسع، يمتد من شرق المتوسط ومنطقة الخليج إلى بوابات موسكو في القوقاز وآسيا الوسطى.

لا بل أكثر من ذلك: إن قلق الاتحاد الأوروبي المتصاعد من عودة ظل الدب الروسي ليخيّم فوق الخريطة الأوروبية، ربما يحفّز الدولتين الأساسيتين والمؤسستين فيه، فرنسا وألمانيا، على تخطي حساسيتهما من “إسلامية” تركيا لدوافع مصلحية، وبالتالي إعادة النظر في مسألة عضويتها في الاتحاد.

هذا الاحتمال، وعلى الرغم من أنه يبدو ضعيفاً حتى الآن، يجعل الأضواء، مع ذلك، لا تنطفئ في مراكز الأبحاث الإسرائيلية.

إيران تراقب وتترقّب

نأتي الآن إلى الموقف الإيراني من كل هذا الذي يجري، على قدم وساق، من مياه البوسفور إلى شواطئ الخليج في شقه العربي.

فطهران، وإن كانت تشعر بالرضى الآن لتعاطف تركيا معها في حربها الراهنة، ولامتناعها عن تسهيل ضربها وإضعاف حلفائها في لبنان والعراق، إلا أنها، في الوقت نفسه، تعي أن تركيا مضطرة، بحكم قوانين الطبيعة “التي تكره الفراغ”، إلى ملء أي مساحات تُخليها طهران في المنطقة. وهذا قد يخلّ بتوازن القوى بين الطرفين في منطقة جغرافية شاسعة تمتد من دمشق وبيروت إلى طشقند، مروراً بالمنامة والكويت.

ولذا، قد تجد طهران نفسها مضطرة الآن إلى أن تغمض عين الرضى عن موقف أنقرة الراهن، في الوقت نفسه الذي تبقي فيه العين الأخرى ساهرة لمراقبة حدود هذا التمدد التركي المحتمل.

ماذا تعني كل هذه الثرثرة الإسرائيلية، وذلك الترقب الإيراني، عشية القمة الأطلسية؟

أمراً واحداً: ثمة هندسة أمنية جديدة تستعد للولادة في ما يسمى منطقة “الشرق الأوسط” / الخليج، لن تكون فيها إسرائيل، على الأرجح، حجر الرحى المعتمد، لا أوروبياً ولا ربما حتى أميركياً، إذا ما واصلت الولايات المتحدة استعداداتها للانسحاب من “الشرق الأوسط”.

الآن، في حال نجح أعضاء المثلث الذهبي التاريخي، تركيا ومصر وإيران، في التخلي عن أنانيات الدولة ـ الأمة وقصر نظرها، وانخرطوا في إطار ائتلاف إقليمي ديمقراطي على قدم المساواة، فسيحصل هذا الائتلاف على موافقة غربية، بحكم الضرورات التي تبيح المحظورات، للشروع في بناء نظام إقليمي جديد: نظام حقيقي هذه المرة، يستند إلى المكونات الحضارية ـ التاريخية للمنطقة، لا إلى طلقة صهيونية انطلقت من أوروبا الاستعمارية في القرن التاسع عشر، ولا تزال، بعد مئة عام، عاجزة عن الاستقرار ولو على جزء ضئيل في المنطقة، لا استراتيجياً ولا، بالطبع، أيديولوجياً وثقافياً.

أما إذا ساد مجدداً منطق الأنانيات وقصر النظر بين مكونات هذا المثلث الذهبي، فقد تأتي هذه الفرصة، ثم تتبدد كأنها لم تكن.

وحينها، عودٌ على بدء نحو الفوضى، واللاإستقرار، والتآكل الحضاري.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.