فخامة الرئيس… خيارات الداخل أخطر من «سمّ» الخارج

 

فخامة الرئيس،

عشرة أشهر مرّت منذ أن رفعتم يدكم وأقسمتم أمام اللبنانيين بأن يكون عهدكم مختلفاً، نظيفاً، واضح الاتجاه، قويّ الإرادة. لحظةٌ حملت الكثير من الوعود والكثير من الآمال، قبل أن تصطدم، سريعاً، بواقعٍ تكاد ملامحه تناقض بنداً بنداً كل ما أعلنتموه.

ولأننا نكتب هنا بصفة المراقب وبصوت الحقيقة، فإنّ مخاطبتكم مباشرةً ليست خروجاً عن اللياقة، بل واجب تفرضه المسؤولية العامة حين تتقدّم الدولة نحو هوة أعمق فيما كان يُفترض أن تكون في طريقها إلى النهوض.

فخامة الرئيس،

تعهّدتم بالحفاظ على السيادة الوطنية، لكنها كانت أول الغائبين. فمنذ اليوم الأول، بان الانصياع الشامل لأكثر من طرف خارجي، حتى في أبسط القرارات الإدارية والوزارية وسط سكوتٍ رسمي عن تآكل القرار الوطني.

تعهّدتم بالشفافية والمحاسبة فكانت النتيجة تحرير رياض سلامة من أي مساءلة، وإخلاء سبيل شقيق النائب حسن خليل المتورط بالتلاعب بحياة آلاف مرضى السرطان في لبنان… رغم أنّكم وعدتم بأن «لا حصانة لأحد». ودُفن ملف انفجار مرفأ بيروت—القضية الأخلاقية الأكبر في تاريخ لبنان—حيث دُفن قبله الكثير من الحقائق، واستُدعي القاضي البيطار إلى التحقيق فيما استقبلتم المتهمين والمتورطين في قصركم.

فخامة الرئيس،

تعهّدتم بمكافحة الفساد وبأن الدولة ستستعيد هيبتها، والمؤسسات ستتحرّر من نزوات المصالح. فكانت زيارتكم إلى النافعة مسرحية جميلة لم تحقق أهدافها لأن الفساد عاد من باب أوسع، وتمّ تحويل المعاملات الرسمية إلى شركات خاصة عبر LibanPost، من دون رؤية، من دون رقابة، ومن دون احترام لمبدأ الدولة نفسها. ومن حقنا أن نسأل: من المستفيد ومن المتآمر؟

قلتم إنكم ستخوضون معركة الإدارة. لكن الإدارة اليوم أكثر ترهّلاً مما كانت عليه، والرشوة أصبحت «عرفاً» سائداً. وعدتم بأن تكون التعيينات على أساس الكفاءة… فإذا بالتعيينات تأتي من أهل البيت، وأحياناً من داخل القصر نفسه. فالمستشارون يتكاثرون من حولكم، فيما لا نرى أثراً لنصيحة صائبة، ولا قراراً حاسماً، ولا رؤية تخرج البلاد من مأزقها.

تعهّدتم بأن حقوق المودعين مكرّسة فعاد ملف التدقيق الجنائي إلى “الجارور”، لا بل إلى دهاليز لا رجعة منها. واخترعتم سياسات وهندسات برّاقة فيما استعادة الأموال المهرّبة والمحوّلة إلى الخارج تحميها حصانتكم لمافيا المسؤولين.

فخامة الرئيس،

في السياسة الخارجية أيضاً، لم ينجح عهدكم في فتح باب الدعم العربي، ولا في إعادة وصل ما انقطع مع دول الخليج، ولا في تثبيت حياد الدولة، ولا في رسم موقع واضح للبنان على خريطة العلاقات الإقليمية. هكذا وجد البلد نفسه في عزلة شبه كاملة، وفي انكماش دبلوماسي مستمر.

وفي ملف التربية، شهد اللبنانيون انهياراً مؤلماً: فوضى في الامتحانات الرسمية، تأخير في تطبيق المناهج الحديثة، تلاعب في الامتحانات، تزوير في الشهادات… ولا من يحاسَب.

أما المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية—عماد الدولة—فلم تسلم من التسييس والمحسوبيات، ومن تدخل في التعيينات، ومن تراجع التمويل الذي تُرك بلا معالجة إلا عبر مساعدات خارجية. ومع تراجع دور الدولة في ضبط الحدود، توسّع التهريب والاقتصاد الموازي، حتى صارت المعابر مشرّعة أمام كل أنواع المخالفات.

فخامة الرئيس،

تعهّدتم بحماية البيئة والمال العام، لكنّ الفساد اليومي تمدّد من دون أن يتحرك أحد: سرقة الأملاك البحرية، فوضى الكسارات والمرامل، التلاعب بأسعار الأدوية والفيول، زيادة تهريب المحروقات إلى سوريا، كلها ملفات يعرفها اللبنانيون بالأسماء، ولم يُفتح واحد منها أمام القضاء.

تعهّدتم بإدارة رشيدة للمال العام فها هي رخصة الاستكشاف والإنتاج في البلوك 8 من المياه البحرية اللبنانية تُمنح مجدداً للكونسورتيوم رغم سوء تعاطيه وتقصيره في البلوك 9. هل هذا يعني تسليم المياه اللبنانية للرقابة الأميركية، وبالتالي الإسرائيلية؟

ليس هذا فحسب، فقد ألغيت عقود استكشاف الغاز، ومُنح عقد “ستارلينك” بالتراضي لشركة يملكها وزير الاتصالات، وبقيت مشاريع الكهرباء تُدار بمنطق التسوّل على الفيول في ظلّ فضائح صفقة من هنا وتلاعب من هناك.

وفي قلب هذا كله، بات 82% من اللبنانيين تحت خط الفقر، بلا خطة حماية اجتماعية، بلا نظام دعم ذكي، وبلا برنامج مساعدات منظم.

فخامة الرئيس،

تعهّدتم بالأمن والاستقرار وحماية المواطنين، لكن مسرحية سحب السلاح من المخيمات الفلسطينية، وقتل اللبنانيين على يد مسلحين داخل هذه المخيمات بلا محاسبة، والانقسام الخطير بين مكوّنين أساسيين في الحكومة حول موضوع السلاح غير الشرعي… كلّها دلائل على أن دم اللبناني ما زال رهينة الحسابات الضيقة.

تعهّدتم بحل أزمة النزوح السوري، فإذا بالنتيجة فشل ذريع في تنفيذ خطة إعادة 24% منهم، وبالسماح لغير الشرعيين بالتسجيل في المدارس الرسمية بلا خطة وطنية، وسط صمت لا يليق بدولة وعدتم بإحيائها.

فخامة الرئيس،

قلتم إن عهدكم سيكون عهد استعادة الدولة لكن البوصلة اليوم تشير إلى دولة تُفتَّت من الداخل، لا لأن الظروف أقوى منكم، بل لأن الإرادة لم تتحول قراراً، ولأن الممارسة لم تلتقِ يوماً مع الخطاب. تفاخرون بأنكم «استعدتم قرار السلم والحرب»، بينما الجميع يعرف من أين جاء قرار تعيينكم، ومن زكّاكم، ومن غضب منكم، ومن رضي عنكم، ومن قايض بكم.

حقيقة لم يعد ينفع الهروب منها، لأن عهدكم لا يزال يُدار بمنطق التعطيل المتبادل، وممارساتكم أعادت إنتاج الذهنية ذاتها التي قادت البلاد إلى الانهيار. وكأن تغيير الوجوه كان أقصى ما طمحتم إليه، بينما بقيت المراوغة نفسها، وشهوة النفوذ نفسها.

فخامة الرئيس،

المعضلة ليست في الوقت القصير كما تقولون، ولا في «السمّ الذي يبخّه بعض اللبنانيين في الخارج»، بل في الخيارات الخاطئة. ليست المشكلة في نقص الصلاحيات، بل في غياب الرؤية. ليست في التحديات، بل في الهروب من مواجهتها.

رغم ذلك، فالعهد لا يزال في بداياته، ويمكن له أن يتغيّر إن شئتم. القرار في يدكم، والوقت لم ينفد بعد. لكن اعلموا أن التاريخ لا يرحم، وأن اللبناني لم يعد يحتمل الخطأ نفسه مرّتين، وأن المجتمع الدولي أمهلنا الفرصة الأخيرة قبل أن نكتب فصلاً جديداً في كتاب الانهيار المفتوح على كل الأسوأ…

 

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.