من فنزويلا إلى إيران… رحبوا معي بكارل ماركس!

في خضم الحرب الكارثية والبربرية التي أطلقتها الإمبرايلتان الكبرى، الأمريكية والصغرى، الإسرائيلية، في إقليمنا المشرقي، يتعين علينا أن نخرج قليلاً من لجج القتل والدمار، وأن ندخل ولو مؤقتًا إلى عالم الفكر، لمحاولة فهم ما يجري في سياق آخر أو في إطار مختلف.

قلنا، ونكرر دائمًا، إن هذه حرب إمبريالية. لكننا ننسى أن نرفق ذلك بتحديد من هي القوة أو الطبقة التي تقوم بهذه الحرب الموبقة.

نقول أيضًا إن الولايات المتحدة هدفها السيطرة على النفط والغاز والموارد الطبيعية لإيران وفنزويلا (وقريبًا لكل القارة الأمريكية – القطب الشمالي)، لكن هذا التوصيف هو تزييف كامل: كلا. ليس الـ350 مليون أمريكي يقومون بذلك (هناك الآن 70 مليون أمريكي على حدود خط الفقر، والطبقة الوسطى تترنح على شفير الهاوية)، بل هناك فئة أمريكية عالمية اسمها الطبقة الرأسمالية، التي لا يتجاوز تعدادها 1% من إجمالي السكان، هي التي تنفذ كل هذا التوسع المتوحش والبربري. وهذا ليس جديدًا، بل مستمر منذ 500 سنة، والعد مستمر كما نرى على نحو أكثر توحشًا.

وحين نتذكر هذه الواقعة، يجب أن نذكر أيضًا وفورًا كارل ماركس، الذي اكتشف في بيانه الشيوعي العام 1848، أي قبل قرن ونصف القرن من الآن، كل أسرار وخبايا وموبقات هذه الطبقة التي تعيث الآن فسادًا خلقيًا وروحانيًا وحضاريًا ودمارًا بيئيًا شاملاً في كل كوكب الأرض الحزين.

رحبوا معي بكارل ماركس

لنقرأ معًا أبعاد كلماته التالية على وقع الموسيقى الهمجية الرأسمالية الراهنة في ما يُسمى الشرق الأوسط.

البرجوازية لا تستطيع البقاء بدون أن تُـثوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، وبالتالي علاقات الإنتاج المجتمعية. بخلاف ذلك، كان الحفاظ على نمط الإنتاج القديم، بدون تبديل، الشرط الأول لبقاء كل الطبقات الصناعية السالفة. وهذا الانقلاب المتواصل في الإنتاج، وهذا التزعزع الدائم في كل الأوضاع المجتمعية، والقلق والتحرك الدائمان، كل هذا يميّز عصر البرجوازية عمّا سبقه من عصور. فالعلاقات الجامدة الصدئة مع ما يستتبعها من تصورات وأفكار قديمة موقَّرة، تتفكك كلها، وكل جديد ينشأ يهرم قبل أن يصلب عوده، والتقسيم الفئوي القائم يتبدد هباءً، وكل ما هو مقدس يدنس، والناس يُجبرون في النهاية على التفرّس في وضعهم المعيشي وفي علاقاتهم المتبادلة بأعين بصيرة.

وحاجة البرجوازية إلى تصريف دائم لمنتجاتها، متسع باستمرار، تسوقها إلى كل أرجاء الكرة الأرضية. فلا بد لها من أن تُعشعش في كل مكان، ومن أن تنغرز في كل مكان، ومن أن تقيم علاقات في كل مكان.

والبرجوازية، باستثمارها السوق العالمية، طبَّعت الإنتاج والاستهلاك في جميع البلدان بطابع كوزموبوليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية وسط غم الرجعيين الشديد. فالصناعات القومية الهرمة دُمّرت وتدمَّر يوميًا لتحل محلها صناعات جديدة، أصبح اعتمادها مسألة حيوية بالنسبة إلى جميع الأمم المتحضرة، صناعات لم تعد تستعمل المواد الأولية المحلية، بل المواد الأولية من أقصى المناطق؛ صناعات لا تُستهلك منتجاتها في البلد نفسه فحسب، بل أيضًا في جميع أنحاء العالم. فمكان الحاجات القديمة، التي كانت المنتجات المحلية تسدّها، تحل حاجات جديدة تتطلب لإشباعها منتجات من أقصى البلدان والأقاليم. ومحل الاكتفاء الذاتي الإقليمي والقومي والانفصال القديم، تقوم علاقات شاملة في كل النواحي، وتقوم تبعية متبادلة شاملة بين الأمم. وما ينطبق على الإنتاج المادي ينطبق أيضًا على النتاج الفكري، فالنتاجات الفكرية لكل أمة على حدة تصبح ملكًا مشتركًا، والتعصب والتقوقع القوميّان يصبحان مستحيلين أكثر فأكثر. ومن الآداب القومية والإقليمية ينشأ أدب عالميّ.

والبرجوازية، بالتحسين السريع لكل أدوات الإنتاج، وبالتسهيل اللامتناهي لوسائل المواصلات، تشدّ الكل، حتى الأمم الأكثر تخلفًا، إلى الحضارة. والأسعار الرخيصة لسلعها هي المدفعية الثقيلة التي تدك بها الأسوار الصينية كلها، وتُرغم البرابرة الأكثر حقدًا وتعنتًا تجاه الأجانب على الاستسلام، وتجبر كل الأمم، إذا أرادت إنقاذ نفسها من الهلاك، على تبنّي نمط الإنتاج البرجوازي، وترغمها على تقبّل الحضارة المزعومة، أي على أن تصبح برجوازية. وبكلمة، هي تخلق عالمًا على صورتها.

والبرجوازية أخضعت الريف لسيطرة المدينة، وأنشأت مدنًا ضخمة، وزادت بدرجة هائلة عدد سكان المدن مقارنة بسكان الريف، منتزعة بذلك قسمًا كبيرًا من السكان من سذاجة الحياة الريفية. ومثلما أخضعت الريف للمدينة، والبلدان الهمجية وشبه الهمجية للبلدان المتحضرة، أخضعت الشعوب الفلاحية للشعوب البرجوازية، والشرق للغرب.

والبرجوازية تقضي، أكثر فأكثر، على تشتت وسائل الإنتاج والملكية والسكان. وقد حشرت السكان، ومركزت وسائل الإنتاج، وركزت الملكية في أيدٍ قليلة. فكانت المركزية السياسية النتيجة الحتمية لذلك. فإنّ مقاطعات مستقلة، تكاد تكون متّحدة لها مصالح وقوانين وحكومات وجمارك مختلفة، حشرت في أمة واحدة، ذات حكومة واحدة، وقانون واحد، ومصلحة قومية طبقية واحدة، وسياسة جمركية واحدة.

فالبرجوازية، في غضون سيطرتها الطبقية التي لم يكد يمضي عليها قرن من الزمن، خلقت قوى منتجة تفوق بعددها وضخامتها ما أوجدته الأجيال السابقة جميعها مجتمعة. فالآلة، وإخضاع قوى الطبيعة، واستخدام الكيمياء في الصناعة والزراعة، والملاحة البخارية، وسكك الحديد، والتلغراف الكهربائي، واستصلاح أراضي قارّات بأكملها، وتسوية مجاري الأنهار لجعلها صالحة للملاحة، وبروز عوامر كاملة من الأرض – أي عصر سابق كان يتصور أن مثل هذه القوى المنتجة كانت تهجع في صميم العمل المجتمعي؟

إذن، لقد رأينا أنّ وسائل الإنتاج والتبادل، التي انبنت البرجوازية على أساسها، قد استُحدثت في المجتمع الإقطاعي. وعند درجة معينة من تقدّم وسائل الإنتاج والتبادل، لم تعد الشروط التي كان المجتمع الإقطاعي ينتج فيها ويبادل، لم يعد التنظيم الإقطاعي للزراعة والمانيفاتورة، بكلمة، لم تعد علاقات الملكية الإقطاعية تتلاءم مع القوى المنتجة في تمام نموّها. فكانت تُعيق الإنتاج بدلًا من دفعه نحو التقدّم، ولذا تحولت إلى قيود كان لا بد من تحطيمها، وقد حُطّمت. ومحلها حلت المزاحمة الحرة، مع هيكلية مجتمعية وسياسية ملائمة، مع السيطرة الاقتصادية والسياسية لطبقة البرجوازيين.

مقالات الكاتب

سعد محيو

كاتب وصحفي لبناني متخصص في الشؤون السياسية والاقتصادية والاستراتيجية في العالم العربي، ومدير منتدى التكامل الإقليمي – لبنان.