نشأت الجماعة المارونية كمجموعة اجتماعية، دينية، مجتمعية، وسياسية في القرن الميلادي الأوّل في منطقة شمال أنطاكية وسائر المشرق، المعروفة اليوم بسوريا. وهم، دينيًا، يتبعون الكنيسة الأنطاكية السريانية المارونية الكاثوليكية.
اتّسم تاريخهم بعدّة مراحل متسلسلة بدأت بالنُسّاك، إلى أن انتشروا في جبل لبنان.
جذورهم الأولى
تعود إلى القرن الرابع، وتعود تسميتهم أو لقبهم إلى الراهب الناسك القديس مارون، السرياني الأصل، الذي عاش حياة العفّة والنسك في جبل قورش. عُرف هذا الراهب بفضائله، وضمّ حوله العديد من المؤمنين الذين أسّسوا، فيما بعد، المذهب الماروني.
أزمة المجمع الخلقيدوني والاضطهاد
تمسّك مؤمنو مارون بقرارات مجمع خلقيدونية عام 451 ميلادي، وقد أدّى هذا التمسّك العقائدي إلى تعرّض هذه المجموعة لاضطهادات كبيرة على يد جماعات مسيحية تختلف معها في العقيدة والإيمان، وهو ما أدّى إلى مقتل الرهبان التابعين لمارون.
أسباب الاضطهاد
يعود السبب الأساسي لاضطهاد جماعة مارون إلى الخلافات العقائدية في القرنين الخامس والسادس للميلاد، فقد كانت جماعة مارون متمسّكة بشدّة بالإيمان الكاثوليكي، أي بمقرّرات مجمع خلقيدونية، بينما تعرّضت للاضطهاد من قبل بطريرك أنطاكية الموالي للإمبراطور البيزنطي. ويمكن إبراز نقاط الخلاف التالية:
- التمسّك بالعقيدة الخلقيدونية: أصرّ أتباع مارون على إيمانهم بأنّ للمسيح طبيعتين، إلهية وإنسانية، وهو ما أقرّه مجمع خلقيدونية عام 451، في حين عارضوا تعاليم «أوطيخا». وللتوضيح، فإنّ أوطيخا هو رئيس دير في القسطنطينية، عاش تقريبًا بين عامي 378 و456، واشتهر بدفاعه المستميت عن وحدة طبيعة المسيح، إلّا أنّه تطرّف في آرائه، ووقع في بدعة عُرفت بـ«البدعة الأوطاخية».
- النزوح إلى جبل لبنان بين القرن السابع والقرن العاشر: دفع هذا الاضطهاد الجماعة المارونية إلى الهجرة تدريجيًا بعيدًا عن السهول، فلجأت إلى جبال لبنان الوعرة، حيث وجدت في الطبيعة الجبلية الحصينة ملاذًا آمنًا للحفاظ على إيمانها وهويتها.
- تأسيس البطريركية في القرن الثامن: نظرًا لانقطاع التواصل مع الكراسي البطريركية الأخرى، انتخب الموارنة أوّل بطريرك لهم، وهو يوحنا مارون، في أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن، مؤسّسين بذلك كيانهم الكنسي الخاص.
- العلاقة بالغرب، أي الحروب الصليبية: في فترة الحروب الصليبية، تجدّد تواصل الموارنة مع الكنيسة الكاثوليكية في روما، وثبّتوا وحدتهم مع الكرسي الرسولي، محتفظين بطقوسهم السريانية الشرقية وتقاليدهم الخاصة.
الموارنة ودولة لبنان الكبير
لعب الموارنة دورًا بارزًا في تأسيس دولة لبنان الكبير، حيث سعوا، مع البطريرك إلياس الحويّك، إلى إعلانها برعاية فرنسية في الأوّل من أيلول عام 1920، بهدف إيجاد ملاذ آمن وتأمين الاستقلال لمسيحيي المشرق. ورغم طموحهم التاريخي الذي ضمّ مناطق واسعة ذات أغلبية مسلمة، فقد أسهم ذلك في خلق كيان تعددي، ما جعلهم لاحقًا من مهندسي «الميثاق الوطني» لضمان الشراكة.
ارتباط الموارنة بالكيان اللبناني عبر عدّة محطات مفصلية
- السعي نحو الكيان: منذ عهد متصرفية جبل لبنان، بين عامي 1861 و1915، عاش الموارنة في كيان شبه مستقل. ومع انهيار الدولة العثمانية، قاد البطريرك الحويّك الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، مطالبًا بإنشاء لبنان الكبير بحدوده التاريخية الحالية.
- إعلان الدولة: أعلن الجنرال الفرنسي غورو قيام دولة لبنان الكبير، وضُمّت إليه مناطق جبل لبنان القديم، إضافة إلى الساحل، أي بيروت وطرابلس، والجنوب والبقاع، ما حقّق حلم الموارنة بتوسيع حدود وطنهم.
- التحديات الديموغرافية: أدّى هذا التوسع التاريخي إلى ضمّ تجمّعات سكانية كبيرة من المسلمين السنّة والشيعة، ما غيّر التوازنات السكانية، وجعل لبنان دولة فسيفسائية بدلًا من دولة ذات أغلبية مسيحية ساحقة.
- التسوية الوطنية: استدعى هذا التنوّع الجديد إيجاد صيغة للعيش المشترك، فتمّ التوافق على الميثاق الوطني عام 1943، وهو اتفاق غير مكتوب بين الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح، كرّس التوازن وتقاسم السلطات.
وضع الموارنة بعد عام 1943
تُوّج استقلال لبنان عام 1943 بتكريس الميثاق الوطني، وهو تسوية سياسية منحت الموارنة موقع القيادة الأولى في الدولة: منصب رئاسة الجمهورية، قيادة الجيش، قيادة الأمن العام، قيادة الدرك، وحاكمية مصرف لبنان، فضلًا عن حصص أساسية في الإدارة. وقد رسّخ هذا الاتفاق دورهم كركيزة أساسية في صياغة هوية لبنان، إلّا أنّ العقود اللاحقة شهدت تحوّلات نذكر منها:
أ- العصر الذهبي 1943 – 1975
• استأثر الموارنة بالنفوذ الأكبر في السلطتين التنفيذية والتشريعية، ولعبوا دورًا محوريًا في التنمية الاقتصادية والازدهار الثقافي.
• التوازنات الديموغرافية والسياسية: شكّلوا ثقلًا استراتيجيًا داعمًا لصيغة «لبنان أولًا»، مع الحفاظ على التوازن الدقيق بين الطوائف.
ب- حرب عام 1975 – 1990
• دخل عامل الميليشيات مع تصاعد التوترات الإقليمية واتفاقية القاهرة ومفاعيلها، حيث انخرطت الأحزاب والقوى المارونية بشكل واسع في الحرب، لحماية الكيان والوجود.
• تراجع النفوذ: استنزفت الحرب المكوّن الماروني ديموغرافيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وأدّت إلى انقسامات داخلية حادّة، ولا سيما حرب عون – جعجع.
ج- مرحلة ما بعد اتفاق الطائف 1990 – 2005
• تعديلات دستورية: أعاد اتفاق الطائف توزيع السلطات، ما قلّص الصلاحيات التنفيذية لرئيس الجمهورية الماروني لمصلحة مجلس الوزراء مجتمعًا.
• التمثيل السياسي: شهدت هذه المرحلة مقاطعة بعض القوى المارونية للانتخابات في التسعينيات، ما أدّى إلى تراجع حضورهم الفعلي في صنع القرار وتهميشه، فضلًا عن التوقيفات التي تعرّضوا لها، والأحكام التي صدرت بحقهم.
• في عام 2000، انسحب الجيش الإسرائيلي انسحابًا أحاديًا من جنوب لبنان، تطبيقًا لاتفاق الطائف، واستنادًا إلى إدراج القرار 425 ضمن بنوده. وقد دفعت المنطقة الحدودية ثمنًا باهظًا لهذا الانسحاب الأحادي، بسبب إطلاق يد حزب الله المدعوم من إيران.
د- ما بعد 2005 ولغاية اليوم
• شبه استعادة الحضور: شكّل خروج الجيش السوري، تطبيقًا للقرار 1559، فرصة كان من المفترض أن تؤدّي إلى لعب الموارنة دورًا محوريًا في التحالفات السياسية والتوازنات الوطنية، لكنهم أضاعوا هذه الفرص.
• التحديات الراهنة: لا يزال الموارنة يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها الفراغات المتكرّرة في موقع رئاسة الجمهورية، وتنامي دور الطوائف الأخرى، ولا سيما الطائفة الشيعية، وفقًا للواقع الديموغرافي والسياسي المستجد، ما يدفع بعض الأطراف اليوم إلى طرح صيغ اللامركزية.
هـ- أراضي الموارنة والمسيحيين عمومًا
تشير التقديرات الحالية إلى انخفاض ملكية الموارنة والمسيحيين لأراضي لبنان من نحو 86% عام 1946 إلى ما يقارب 36% حاليًا. وتثير هذه التراجعات، فضلًا عن التعدّيات في بعض القرى، جدلًا واسعًا، حيث تتعدد أسباب تقلّص الأراضي المملوكة بين البيع الطوعي، والضغوط الديموغرافية، ونزاعات الملكية.
و- عمليات التجنيس
• تشكّل عمليات التجنيس الاستنسابية ملفًا بالغ الحساسية، حيث يُنظر إلى أي توسّع عشوائي في منح الجنسية خارج المعايير القانونية الصارمة، على أنّه تهديد مباشر للبنية الديموغرافية والسياسية الهشّة في البلاد.
• أبرز هذه العمليات كان مرسوم التجنيس الواسع عام 1994، الذي منح الجنسية لأكثر من 200 ألف شخص، وهؤلاء قد أعطوا الجنسية لفروعهم. والسؤال المطروح: كم بلغ عدد الذين تجنّسوا وجنّسوا؟
• الاختلال الديموغرافي والتوازن الطائفي: يقوم النظام اللبناني على مبدأ العيش المشترك والمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، استنادًا إلى وثيقة الوفاق الوطني. إنّ أي عملية تجنيس عشوائية لكتل بشرية تنتمي إلى طائفة معيّنة، من دون توازن، تؤدي بشكل مباشر إلى الإخلال بالتركيبة الديموغرافية والسياسية، ما أثار الهواجس حول تهميش الدور.
• التلاعب بالعملية الانتخابية: تمنح الجنسية صاحبها حق الاقتراع. لذلك، فإنّ منح الجنسية لأعداد كبيرة بشكل غير مدروس يمكن استخدامه كأداة سياسية لتغيير الخريطة الانتخابية والتأثير في نتائج هذا الاستحقاق، ما خلق طبقة سياسية لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة الفعلية للمجتمع الماروني – المسيحي – اللبناني.
• الضغط على الموارد والخدمات: يعاني الموارنة والمسيحيون واللبنانيون عمومًا من أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية خانقة، ومن شحّ حاد في الموارد والبنية التحتية.
ز- التحديات السياسية – الأمنية – الاقتصادية – الاجتماعية للموارنة:
• يواجه الموارنة والمسيحيون في لبنان تحديات هيكلية ومعقّدة، أبرزها سياسية، تتمثّل في غياب القرار الماروني الحر، والانقسامات، والفراغ المؤسساتي الذي يهدّد التمثيل المسيحي؛ وأمنية، تتمثّل في غياب الاستقرار الأمني وتداعيات الصراع الدائر؛ واقتصادية، تتمثّل في تبعات الانهيار المالي الذي ضرب مقدّراتهم وكفاءاتهم.
• أزمة التمثيل المسيحي: تتصاعد التحديات المتعلقة بالحفاظ على الشراكة الفعلية والتوازن الديموغرافي والسياسي في ظل تنامي نفوذ قوى أخرى.
• تراجع الدور التاريخي: يتمثّل التحدي في تجديد الخطاب السياسي التاريخي، أي «المارونية السياسية»، ليتلاءم مع واقع التحالفات والتوازنات الإقليمية والدولية المعاصرة.
• النزوح والتركيبة الديموغرافية: يتمثّل التحدي في الضغط الأمني والاجتماعي والاقتصادي الناتج عن أزمات النزوح المتلاحقة، والتي أثّرت في التوازن الديموغرافي داخل المناطق ذات الغالبية المارونية.
• إفراغ المؤسسات والخدمات: يتمثّل هذا التحدي في انهيار شبكة الأمان الاجتماعي والمؤسسات الاستشفائية والتعليمية التاريخية التي تديرها الكنيسة والجمعيات المارونية، والتي طالما شكّلت ركيزة أساسية لصمودهم.
• هجرة الأدمغة والشباب: يتمثّل التحدي الأكبر في استمرار النزيف الديموغرافي لأسباب اقتصادية – اجتماعية – أمنية، حيث تُسجَّل أعلى معدلات الهجرة بين الشباب المتعلّم والكفاءات المارونية.
ح- فشل المؤسسات الكنسية في مقاربة الأخطار المحدقة
تواجه المؤسسات الكنسية والرهبانيات المارونية تحديات هيكلية – اجتماعية – دينية معقّدة. ويُعزى هذا التراجع إلى فجوة بين قرارات المجمع البطريركي الماروني 2003 – 2006 وما تلاه، والواقع الميداني، ما أدّى إلى أزمة في إدارة الأوقاف، وابتعاد تدريجي عن نبض الرعية. ويمكن تلخيص هذا الأمر بما يأتي:
• غياب الرؤية الاقتصادية الرشيدة: يتمثّل ذلك في الاستثمار العشوائي والكيدي للأوقاف، وإدارة الأصول بطرق تقليدية، ما أدّى إلى تبديد الموارد بدلًا من توظيفها في مشاريع إنتاجية مستدامة.
• البيروقراطية وضعف الحوكمة: تتمثّل في المركزية الشديدة، وغياب الشفافية في الإدارة المالية والمحاسبية، إضافة إلى ضعف آليات المحاسبة والتقييم.
• التحديات الاجتماعية والتربوية: عجزت المؤسسات الاستشفائية والتعليمية التابعة للكنيسة عن مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة، ما جعلها عبئًا ماليًا بدل أن تكون ركيزة للأمان.
• الانفصال عن قواعد الشباب: تراجعت ثقة الشباب والمثقفين بطروحات المؤسسات نتيجة التمسك بهياكل تقليدية عفا عليها الزمن، وضعف لغة الحوار التفاعلي.
ط- النهضة المارونية المسيحية المطلوبة
النهضة المارونية المسيحية المطلوبة تعني التجدد السياسي، والأمني، والروحي، والاجتماعي، والاقتصادي الحيوي، المستمد من الإيمان المسيحي وتعاليم الكنيسة الواعية والحضارية والمتجددة. وتتجسّد هذه النهضة من خلال مبادرات عملية ومشاريع تهدف إلى تفعيل الحضور الماروني المسيحي اللبناني، كما تتجسّد في العناوين التالية:
• التجدد الروحي والجسدي للكنيسة: تجديد وتطوير المراجع الكنسية، والانفتاح، والصلاة، والتأمل، والمشاركة.
• المسؤولية الاجتماعية: ترجمة الأقوال إلى أفعال من خلال برامج عمل قابلة للتطبيق.
• التعليم والتوعية: إنشاء المجالس التثقيفية المارونية – المسيحية، لنشر المعرفة وتنمية العقول.
• الحوار وبناء السلام: تعزيز التواصل الماروني – الماروني، والماروني – المسيحي، والماروني العالمي، لوضع خطط إنقاذية.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
