التفاوض غير المباشر مع إسرائيل بين الواقع والرغبات


هل وصل فعلاً مسار تسوية الأزمات إلى لبنان؟ ماذا يعني ذلك في ضوء الحراك الدولي المتكثّف حول خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة وما تلاها من مؤتمر دولي موسّع في شرم الشيخ في مصر؟ وهل باتت المنطقة أمام حلول تُفرَض فرضاً، بحيث يصعب على الدول الصغيرة مثل لبنان تفاديها؟

وما دلالة الملمح الجديد في السياسة الخارجية الأميركية، أي تحقيق السلم بالقوة، وانعكاسه على لبنان؟ وهل تُمارَس ضغوط على المسؤولين اللبنانيين للدخول في مفاوضات مع إسرائيل، أم أنها مجرّد نصائح وتنبيهات؟

أما السؤال الأهمّ الذي ينسلّ من هذه التساؤلات فهو: هل يدرك لبنان التحوّلات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة، بدءاً من المتغيّر السوري وصولاً إلى تداعيات وقف النار في غزة، والإصرار الأميركي على حصرية السلاح كشرطٍ أساسي لتقديم المساعدة إلى لبنان؟ وهل يملك المسؤولون أصلاً تصوراً واضحاً أو رؤية محددة للاستجابة للتحدّيات التي تفرضها هذه التحوّلات؟

إنّ هذه العيّنة من الأسئلة تعكس واقعاً لبنانياً مرتبكاً، إذ إنّ كثرة التساؤلات من دون إجابات واضحة حيالها تضع البلاد في حالة غموضٍ سياسي غير بنّاء، يقود بدوره إلى عجزٍ في اتخاذ القرار السليم.

منذ وقف إطلاق النار في لبنان في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بموجب اتفاق رعته الولايات المتحدة عبر وسيطها آموس هوكشتاين وبموافقة لبنانية جامعة، يتبيّن أن لبنان يواجه ضغوطاً متزايدة للدخول في مفاوضات مع إسرائيل لحلّ المشكلات العالقة بين الطرفين. ويمكن إدراج الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة في خانة هذه الضغوط، إذ لمّح رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مطالبة لبنان بإجراء مفاوضات مباشرة مع دولته، ما يعطي الانطباع بأن الإسرائيليين يشترطون التفاوض مع لبنان لتحقيق أيّ تقدّم في تنفيذ بنود وقف إطلاق النار، بالتوازي مع سعي الحكومة اللبنانية لتطبيق قرار حصرية السلاح.

وفي ضوء ما تقدّم، تلقّف الإعلام اللبناني وغير اللبناني كلام رئيس الجمهورية جوزف عون حول إمكانية إجراء مفاوضات مع إسرائيل، غير أنّ مكتب الإعلام في القصر الجمهوري أكّد أن ما يُتداول من تفسيرات وتحليلات في هذا الشأن لا يتطابق مع الواقع، موضحاً أن رغبة لبنان تقتصر على التفاوض غير المباشر.

ومن جهته، أكّد رئيس الحكومة نواف سلام في تصريح له أن الرئيس عون «يهدف من وراء مبادرته التفاوضية غير المباشرة مع إسرائيل إلى حضّ الولايات المتحدة على التدخل لإنقاذ المفاوضات غير المباشرة المتعثّرة بسبب رفض إسرائيل الالتزام بوقف الأعمال العدائية التي نصّ عليها الاتفاق».

تكمن المطالب الملحّة بالنسبة إلى الجانب اللبناني في تكريس هدنة دائمة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الجنوبية المحتلة وإعادة الأسرى، ثم البدء بترسيم الحدود البرّية، طالما أن لبنان سبق أن توصّل إلى ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل برعاية أميركية ومواكبة فرنسية.

وما شهدناه في الشهور الماضية يؤكد أن العديد من التعقيدات برزت في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، تارةً بسبب عدم التزام إسرائيل به، وطوراً بسبب عجز الداخل اللبناني عن التفاهم حول صيغة موحّدة لمبدأ حصرية السلاح، ومدى إمكان تحقيقه في ظلّ تمسّك الحزب بموقفه المعروف للجميع.

هذا في ما يتعلّق بالوجهة اللبنانية، أمّا الوجهة الأميركية فتتطابق إلى حدّ بعيد مع الرؤية الإسرائيلية، من حيث مطالبة لبنان بسحب سلاح «حزب الله» ليس فقط من جنوب الليطاني بل من كامل الأراضي اللبنانية، قبل الحديث عن أي انسحاب إسرائيلي من المواقع التي احتلّتها. وثمّة من يقول إن خطة غزة قد لا تشمل الوضع اللبناني، لأن ذلك يخفّف الضغط عن لبنان المهدّد بفرض عقوبات على من يعرقل بدء المفاوضات مع إسرائيل.

أمام هذا الواقع، يمكن تسجيل بعض الملاحظات:

  • أولاً: يجب على الرؤساء الثلاثة الأخذ في الاعتبار أنّ لبنان أصبح ملفّاً من ملفات السياسة الخارجية الأميركية، وجوهرها فرض السلام بالقوة، ما يعني أن الاهتمام الأميركي قد لا يأتي من باب المساعدة بل من باب الضغط والعقوبات.
  • ثانياً: إنّ ربط تنفيذ وقف إطلاق النار بقرار حصرية السلاح ضيّق هامش المناورة أمام الحكومة اللبنانية، بحيث أصبح التزام إسرائيل بالاتفاق مرتبطاً بتقدّم لبنان في تطبيق هذا القرار.
  • ثالثاً: إنّ توافق الرؤساء الثلاثة على مبدأ التفاوض غير المباشر مع إسرائيل، وهو أمر مهم، لا يعني بالضرورة أن الأميركيين أو الإسرائيليين سيقبلون به، في وقت تسير فيه المنطقة نحو مسار السلام والتطبيع.
  • رابعاً: إنّ موقف «حزب الله» واضح وحاسم: لا تسليم للسلاح، ولا تنازلات، ولا تفاوض في ظلّ الخروقات الإسرائيلية، وضمناً لا استبعاد لإيران عن أيّ حلّ مستقبلي يتعلق بلبنان والمنطقة.

قصارى القول: إنّ قرار الدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل محكومٌ بجملة محددات قد تجعل الرغبات تصطدم بواقعٍ أقوى، خاصةً وأنّ القطار يسير والمطلوب واحد.

 

 

 

 

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.