ليس مستغربًا اليوم أن تسمع، في الأوساط الأكاديمية اللبنانية نفسها، أصواتًا تعتبر أنّه لم تعد هناك حاجة فعلية إلى ما يُسمّى العلوم الإنسانية، وأنّ هذه الاختصاصات باتت عبئًا على الجامعات وسوق العمل، ولا جدوى منها في زمن الانهيار والأزمات. بل إنّ بعض الأكاديميين، ممّن يحملون أعلى الشهادات الجامعية، باتوا يدعون صراحة أو ضمنًا إلى إقفال أقسام التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية والآداب، بوصفها اختصاصات «غير منتجة» ولا تدرّ أرباحًا أو فرصًا مهنية سريعة. والمفارقة اللافتة أنّ هؤلاء أنفسهم يحملون شهادة PhD، أي «دكتوراه في الفلسفة»، وهو الاسم التاريخي الذي يعكس جوهر الجامعة الحديثة القائمة أصلًا على الفكر النظري والبحث النقدي والعلوم الإنسانية، مهما اختلفت التخصّصات الدقيقة التي ينتمون إليها.
والأخطر أنّ هذا المنطق لم يعد مجرّد آراء فردية معزولة، بل تحوّل تدريجيًا إلى ثقافة سائدة داخل جزء من السلطة السياسية والإدارية والجامعية، سواء في المؤسسات الخاصة أو الرسمية، حيث باتت الجامعة تُدار بعقلية السوق لا بمنهج الفكر، وبمعايير الربح والاستقطاب العددي لا بمعايير إنتاج المعرفة وصناعة الوعي. وهكذا، تراجعت مكانة العلوم الإنسانية لمصلحة تخصّصات يُنظر إليها باعتبارها أكثر قدرة على تأمين التمويل أو الارتباط المباشر بسوق العمل، في وقت تُهمَّش فيه الدراسات النظرية والنقدية التي تُنتج فهمًا أعمق للمجتمع والتاريخ والهوية. وفي ظل هذا التحوّل، تبدو الأزمة أبعد من مجرّد أزمة اختصاصات جامعية، لتتحوّل إلى أزمة رؤية ثقافية وحضارية تمسّ معنى الجامعة نفسها ودورها في بناء الإنسان والمجتمع.
انهيار الأولويات الثقافية والأكاديمية في لبنان
على هذا، يشهد لبنان في السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في العلوم الإنسانية عمومًا، وفي الدراسات التاريخية والفلسفية خصوصًا، في ظل تحوّلات اقتصادية واجتماعية وثقافية عميقة أعادت تشكيل أولويات المجتمع والجامعات معًا. فمنذ الانهيار المالي عام 2019، باتت غالبية العائلات والطلاب تنظر إلى التعليم من زاوية المنفعة الاقتصادية المباشرة وفرص العمل السريعة، لا من زاوية القيمة المعرفية أو الدور الحضاري للتخصّصات. ونتيجة لذلك، تراجعت مكانة التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والآداب، وهي تخصّصات تحتاج بطبيعتها إلى مسار أكاديمي طويل وإلى بيئة بحثية مستقرة وتمويل علمي متواصل. كما أسهم ضعف تمويل الجامعات، وتراجع مشاريع الأرشفة والنشر والبحث العلمي، إضافة إلى الهجرة الواسعة للأساتذة والباحثين، في إضعاف البيئة الأكاديمية اللبنانية وتحويل كثير من الكليات الإنسانية إلى هياكل شبه معطّلة أو مهمّشة.
العلوم الإنسانية بين الفكر النقدي وهيمنة النظام الطائفي
ولا يمكن فصل تراجع العلوم الإنسانية في لبنان عن التحوّلات السياسية والفكرية التي أصابت بنية الدولة والمجتمع خلال العقود الأخيرة. فالسلطة النافذة باتت تنظر إلى هذه العلوم بوصفها عبئًا غير منتج اقتصاديًا، لا بوصفها أساسًا لبناء الوعي الوطني وصناعة الفكر النقدي. وتقوم هذه النظرة، إلى حدّ بعيد، على مقاربة طبقية واستهلاكية للتعليم، تعتبر أنّ قيمة الاختصاص تُقاس بحجم الأرباح التي يوفّرها أو بمدى ارتباطه المباشر بالسوق، لا بقدرته على تطوير المجتمع وإنتاج المعرفة وصوغ هوية وطنية وثقافية متماسكة. ومن هنا تراجعت مكانة التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والعلوم النظرية عمومًا، لمصلحة تخصّصات يُنظر إليها كأدوات تقنية أو مهنية سريعة الربح.
الجدير ذكره، أن العلوم الإنسانية في لبنان ازدهرت تاريخيًا في بيئة الأحزاب والحركات العلمانية والقومية واليسارية التي أولت الفكر النظري والفلسفة والقراءة النقدية للتاريخ أهمية مركزية، واعتبرت الجامعة مساحة لإنتاج الوعي والتغيير الاجتماعي. غير أنّ هذا الدور بدأ بالتراجع تدريجيًا مع صعود نظام المحاصصات الطائفية وهيمنة القوى المذهبية على مؤسسات الدولة والجامعة والحياة العامة، حيث انكمشت المساحات الفكرية النقدية، وتقدّمت الهويات الطائفية والانقسامات الفئوية على حساب مفهوم المواطن والهوية الوطنية الجامعة. وفي ظل هذا المناخ، فقدت العلوم الإنسانية جزءًا كبيرًا من دورها الثقافي والتنويري، لأنّها بطبيعتها تقوم على النقد والسؤال وإعادة قراءة المجتمع والتاريخ، وهي أمور لا تنسجم دائمًا مع بنية سياسية تقوم على تثبيت الانقسامات وإعادة إنتاج الولاءات الضيقة.
الدراسات التاريخية في لبنان وعبر العالم
لا يبدو تراجع علم التاريخ في لبنان منفصلًا عن طبيعة الانقسام السياسي والطائفي الذي يحكم البلاد منذ عقود. فالتاريخ في المجتمعات المستقرة يشكّل عنصرًا لبناء الهوية الوطنية الجامعة، بينما تحوّل في لبنان إلى ساحة نزاع دائم بين الروايات الطائفية والحزبية، الأمر الذي جعل الدولة نفسها عاجزة عن إنتاج سردية تاريخية موحّدة أو حتى الاتفاق على كتاب تاريخ رسمي واحد للحرب اللبنانية. وفي ظل هذا الانقسام، فقد التاريخ دوره التربوي والثقافي، وبات يُنظر إليه أحيانًا كمادة حسّاسة أو خطرة أكثر من كونه علمًا نقديًا يفسّر المجتمع والدولة. ومع صعود منطق السوق والانهيار الاقتصادي، تراجعت مكانة الدراسات التاريخية أكثر، لأنّها لا توفّر مردودًا ماليًا سريعًا، ولأنّ السلطة السياسية والجامعات الخاصة باتت تميل إلى الاستثمار في الاختصاصات المرتبطة مباشرة بسوق العمل، لا في العلوم التي تنتج الوعي النقدي والمعرفة التاريخية.
أما في فرنسا وبريطانيا، فالتراجع يرتبط بعوامل مختلفة نسبيًا، أبرزها هيمنة النموذج النيوليبرالي على الجامعات، وتحويل التعليم العالي تدريجيًا إلى قطاع قائم على الجدوى الاقتصادية والتمويل والإنتاجية السريعة. وقد أظهرت تقارير بريطانية حديثة أنّ نحو 90% من أقسام التاريخ في بعض الجامعات البريطانية شهدت تراجعًا في عدد الأساتذة منذ عام 2020، فيما تعرّضت برامج أكاديمية كثيرة للإلغاء أو التقليص بسبب ضعف التمويل وتراجع الإقبال الطلابي. كما تشير دراسات أوروبية إلى أنّ الجامعات في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة اتجهت منذ عقود إلى ربط التوسّع الجامعي بحاجات السوق والاقتصاد أكثر من ربطه بالرسالة الثقافية والفكرية للجامعة.
في المقابل، ما تزال روسيا تنظر إلى التاريخ بوصفه عنصرًا استراتيجيًا في بناء الدولة والهوية والنفوذ الثقافي، ولذلك حافظت الجامعات الروسية الكبرى على حضور قوي لكليات التاريخ والدراسات الإنسانية، وفي مقدّمها كلية التاريخ في جامعة موسكو الحكومية التي تُعد من أقدم وأكبر المؤسسات التاريخية في روسيا. كما تستثمر الدولة الروسية بكثافة في الدراسات المرتبطة بالتاريخ الوطني، وتاريخ الحرب العالمية الثانية، والعلاقات الدولية، والذاكرة الإمبراطورية والسوفياتية، انطلاقًا من قناعة سياسية وثقافية بأنّ التاريخ ليس تخصّصًا هامشيًا، بل أداة لفهم الدولة والمجتمع وصناعة النفوذ الرمزي. ولذلك، ففي حين تتراجع العلوم التاريخية في جزء من الغرب تحت ضغط السوق والخصخصة الأكاديمية، ما تزال تحظى في روسيا بدعم مؤسساتي وأكاديمي يرتبط مباشرة برؤية الدولة لدورها الحضاري والجيوسياسي.
الهجمة غير المنضبطة على اختصاص علم النفس وأزمة التنظيم الأكاديمي والمهني
وفي مقابل تراجع العلوم الإنسانية التقليدية، برز علم النفس خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد أكثر الاختصاصات جذبًا للطلاب في لبنان، في ظاهرة تكاد تتحوّل إلى «هجمة» أكاديمية غير منضبطة على هذا المجال. ولا يرتبط هذا الإقبال فقط بتزايد الاهتمام بالصحة النفسية بعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والحروب والانهيارات التي أصابت المجتمع اللبناني، بل أيضًا بتوسّع سوق المنظمات الدولية والجمعيات المموّلة غربيًا، ولا سيما تلك التي عملت بكثافة في ملف النازحين والدعم النفسي والاجتماعي. وبالرغم من أنّ جزءًا من هذه البرامج أدّى دورًا إنسانيًا فعليًا وأسهم في معالجة آثار الصدمات والعنف، فإنّ جزءًا آخر بدا أقرب إلى مشاريع موسمية أو برامج ذات أبعاد ثقافية وسياسية غير واضحة، ما فتح المجال أمام تضخّم غير مدروس في أعداد العاملين والمنتسبين إلى هذا القطاع.
وقد ساهمت الأزمة الاقتصادية، وانتشار مظاهر العنف والتفكّك الاجتماعي، والرغبة في إيجاد اختصاص يوفّر فرص عمل سريعة أو إمكانيات للهجرة والعمل مع المنظمات، في تحويل علم النفس إلى واحد من أكثر الاختصاصات طلبًا في الجامعات اللبنانية، الرسمية والخاصة على السواء. غير أنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في الإقبال بحدّ ذاته، بل في غياب التخطيط الأكاديمي والتنظيم المهني الصارم، وفي التفاوت الكبير بين البرامج الجامعية ومستويات التدريب السريري والإشراف العلمي. كما أنّ شروط الانتساب إلى الاختصاص وممارسة المهنة ما تزال تعاني ثغرات واضحة، في وقت تنتشر فيه دورات سريعة ومسارات تعليمية مختصرة تُنتج أحيانًا ممارسين يفتقرون إلى التأهيل الكافي والخبرة العيادية الرصينة.
وتزداد المشكلة تعقيدًا مع غياب التشعيب العلمي الحقيقي للاختصاص داخل الجامعات اللبنانية. ففي معظم الدول المتقدّمة، يتفرّع علم النفس إلى اختصاصات دقيقة ومتعدّدة، مثل علم النفس السياسي، وعلم النفس الجنائي، وعلم نفس القيادة، وعلم النفس الاجتماعي، وعلم النفس الرياضي، وعلم النفس الصناعي والتنظيمي، إضافة إلى علم النفس التربوي الذي يركّز على عمليات التعلّم وتطوير الأنظمة التعليمية. أمّا في لبنان، فما يزال المجال محصورًا بصورة أساسية بين علم النفس العيادي وعلم النفس التربوي، من دون تطوير جدي لبقية الاختصاصات أو ربطها بحاجات المجتمع والمؤسسات. وهكذا، يبدو التوسّع الحالي أقرب إلى تضخّم عددي غير منظّم، لا إلى مشروع أكاديمي متكامل لتطوير العلوم النفسية وتوسيع مجالاتها البحثية والمهنية.
من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في العلاقة بين الجامعة والسوق والمجتمع، بحيث لا تتحوّل المؤسسات الأكاديمية إلى مجرّد مراكز تدريب مهني مرتبطة بالطلب التجاري الآني. فالعلوم الإنسانية ليست ترفًا فكريًا، بل هي التي تحفظ الذاكرة الجماعية وتفسّر المجتمع، والهوية، والتحوّلات التاريخية، والثقافية. كما أنّ المهن المرتبطة بالصحة النفسية تحتاج بدورها إلى تنظيم صارم يحافظ على مستواها العلمي والأخلاقي، عبر تشديد شروط الترخيص، وتوحيد معايير التدريب السريري، وتعزيز دور النقابات والرقابة المهنية. إن الأزمة الحقيقية التي يواجهها لبنان اليوم ليست فقط أزمة اختصاصات أو وظائف، بل أزمة رؤية ثقافية ومعرفية شاملة، حيث يتراجع مفهوم الجامعة بوصفها فضاءً لإنتاج الفكر والمعرفة، لمصلحة منطق السوق والاستهلاك السريع.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
