كيف ستُكتب رواية سقوط «المسجد الأقصى»؟

تفجير من الداخل وتهمة من الخارج

يصنع الدخان الكثيف للصواريخ والضربات ستاراً مثالياً تُمرَّر خلفه الروايات، وتُعاد كتابة الوقائع على مقاس العقيدة والأهداف الاستراتيجية المرسومة. في هذا المشهد الملبّد والمعقّد، لا تعود الحقيقة أولوية، بل تصبح هدفاً يُعاد تشكيله وفق موازين القوة.

هنا، يطفو سيناريو شديد الخطورة: “هدم المسجد الأقصى” من الداخل، ثم تسويق الجريمة على أنها نتيجة ضربة خارجية، في ذروة مواجهة مفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

عند هذه النقطة، لا يكون الحدث مجرّد تدمير أحد أقدس المواقع الدينية، الذي يمثّل ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين، وجزءاً لا يتجزأ من العقيدة الإسلامية، بل يتحوّل إلى شرارة لإعادة هندسة الصراع، حيث تُستخدم الصدمة لإعادة توجيه الرأي العام، وتبرير مراحل أكثر خطورة مما هو قائم.

هذا الطرح لا يندرج فقط ضمن “نظريات المؤامرة”، بقدر ما يلامس طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت المعركة على الرواية لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فلو افترضنا، نظرياً، وقوع حدث بهذا الحجم، فإن أول ما سيُبنى عليه هو السردية التالية: من فعل؟ وكيف؟ ولماذا؟

وفي ظل الفوضى الإعلامية العالمية، قد يتم تقديم رواية يُعتقد أنها جاهزة، تُحمِّل المسؤولية لخصم استراتيجي، مستفيدة من مناخ الحرب، حيث تختلط الوقائع بالشائعات، وتضيع الحقيقة بين سرعة الخبر وبطء التحقق.

لكن خطورة هذا السيناريو تتجاوز البعد الإعلامي. فهدم “المسجد الأقصى”، أيّاً تكن الجهة المسؤولة، سيُعتبر في الوعي الإسلامي اعتداءً مباشراً على أحد أقدس الرموز الدينية، ما يفتح الباب أمام انفجار شعبي واسع لا يمكن ضبطه بالبيانات السياسية. عندها، لن يكون مهماً كثيراً من أطلق الصاروخ فعلياً، بل من يُعتقد أنه فعل ذلك، لأن الإدراك الجمعي هو الذي يحرّك الشارع، وليس تقارير التحقيق.

في قلب هذا المشهد، تبرز فكرة إعادة بناء “هيكل سليمان” كخلفية أيديولوجية لا يمكن تجاهلها. فبعض التيارات الدينية المتشددة داخل إسرائيل ترى أن تغيير الواقع القائم في “الحرم القدسي الشريف” هو خطوة ضرورية لتحقيق مشروع ديني ـ تاريخي ـ عقائدي. وإذا ما تلاقى هذا الطموح مع ظرف حرب إقليمية كبرى، فإن “الفرصة” قد تُقرأ على أنها لحظة استثنائية يمكن استغلالها تحت غطاء الفوضى القائمة والصمت المدوي.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن تحميل المسؤولية لـ”إيران” قد يشكّل ذريعة لتوسيع الحرب بشكل غير مسبوق. فاتهام طهران باستهداف “المسجد الأقصى” سيمنح خصومها مبرّراً سياسياً وأخلاقياً لتصعيد شامل، قد يتجاوز حدود الضربات التقليدية إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. في المقابل، لن تقف إيران أو حلفاؤها مكتوفي الأيدي أمام اتهام بهذا الحجم، ما يفتح الباب أمام سلسلة ردود متبادلة مخيفة، قد تخرج كالوميض عن السيطرة.

الإعلام في هذا السيناريو يتحوّل إلى سلاح موازٍ. فالتكرار، وسرعة النشر، وتضخيم المشاهد، كلّها أدوات كفيلة بترسيخ رواية معيّنة في الوعي العام، حتى قبل أن تتضح الحقيقة.

ومع تعدّد المنصات الإعلامية على اختلاف أنواعها، لم يعد من الضروري إقناع الجميع، بل يكفي خلق انقسام حاد، حيث يتبنى كل طرف روايته الخاصة، ما يعمّق الشرخ ويغذّي الصراع.

ومع وجود “حزب الله” كطرف أساسي في معادلة الردع، فإن احتمالات الانخراط في مواجهة أوسع لا تعود مجرّد فرضية، بل تتحوّل إلى مسار شبه حتمي، خاصة إذا وُضع الحدث في إطار اعتداء على المقدسات، وهو ما يفرض الرد، لا كخيار، بل كواجب لا يمكن التراجع عنه.

ما يجعل هذا السيناريو بالغ التعقيد هو تداخله بين ثلاثة مستويات:

  • الفعل الميداني
  • الرواية الإعلامية
  • الخلفية الأيديولوجية

وعندما تجتمع هذه العناصر في لحظة حرب، يصبح من الصعب الفصل بينها، أو حتى تحديد نقطة البداية. فهل تبدأ الحرب بالفعل، أم بالسردية القائمة؟ وهل تُبنى القرارات على الوقائع، أم على ما يُعتقد أنه وقائع؟

قد لا يكون أخطر ما في الحروب هو ما يحدث فعلًا، بل ما يُقنع الناس بأنه حدث. عندها، لا يعود السؤال: “من دمّر؟” بل: “من نجح في إقناع العالم بأنه لم يفعل؟”

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.