«ريتشارد هاس» في تعليق أوّلي: حرب اختيار وقائية يحدّد الردّ الإيراني حجمها ومدتها

في ما يلي ثلاث عشرة ملاحظة أولية للرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد هاس، حول الهجوم العسكري (الأميركي – الإسرائيلي) الواسع النطاق الجاري على إيران:

أولًا، وقبل كل شيء، هذه حرب اختيار: كانت لدى الولايات المتحدة خيارات أخرى في السياسة العامة. فقد بدا أن الدبلوماسية تحمل وعودًا حقيقية بمنع إيران من تطوير أسلحة نووية. كما أن زيادة الضغوط الاقتصادية كانت قادرة، مع مرور الوقت، على الدفع نحو تغيير النظام.

ثانيًا، هذه حرب وقائية لا استباقية: لم تكن إيران تشكّل تهديدًا وشيكًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة. ولم تكن على وشك أن تصبح دولة تمتلك سلاحًا نوويًا، ولا أن تستخدم ما لديها من قدرات عسكرية ضد الولايات المتحدة. في أقصى الحالات، كان التهديد في طور التشكّل ويمكن احتواؤه وإدارته. يكتسب هذا التمييز أهمية بالغة، لأن عالمًا تعتقد فيه الدول أن من حقها توجيه ضربات وقائية ضد من تعتبرهم تهديدًا سيكون عالمًا تغلب عليه الصراعات المتكررة. ولهذا السبب تحديدًا، لا تحظى مثل هذه الأفعال بأي مشروعية في القانون الدولي.

ثالثًا، اختارت إدارة ترامب هدفًا سياسيًا لا عسكريًا، هو تغيير النظام: القوة العسكرية قادرة على التدمير والقتل، لكنها وحدها لا تستطيع إحداث تغيير في النظام. فالتغيير يتطلب بديلًا قابلًا للحياة وتوافر الشروط اللازمة لنجاحه. صحيح أن الهجوم قد يدفع إلى انشقاقات داخل القيادة السياسية والقوات المسلحة الإيرانية، إلا أن الرهان على ذلك غير مضمون. وتجربة غزة وحركة «حماس» تذكّر بأن الأنظمة قد تتحمّل مستويات هائلة من الضربات ومع ذلك تواصل البقاء في السلطة. وكل يوم يمرّ ويظل فيه النظام الإيراني قائمًا، سيصوّره هذا النظام على أنه انتصار له.

رابعًا، إسقاط النظام ليس هو نفسه تغيير النظام، وبالتأكيد ليس تغييرًا ناجحًا للنظام: حتى لو سقط هذا النظام الديني، فإن القوى الأمنية – وليس بديلًا ديمقراطيًا – هي الأجدر بخلافته. ومن المرجّح أن تواصل هذه القوى السياسات الخارجية الإيرانية الحالية التي تجدها الولايات المتحدة بالغة الاعتراض.

خامسًا: إن استخدام القوة العسكرية لاغتيال قادة محددين بغرض إحداث تغيير في النظام قد يكون قد حدث، لكنه على الأرجح لن يكون حاسمًا في إيران. فالقيادة هناك رسّخت مؤسساتها منذ نحو خمسين عامًا، كما أتيح لها خلال الأسابيع القليلة الماضية، مع تصاعد احتمالات الحرب، تحسين ترتيبات الخلافة والاستمرارية.

سادسًا: دعت إدارة ترامب إلى تغيير النظام من دون تهيئة الشروط اللازمة لنجاح أي بديل. فالمعارضة السياسية ليست موحّدة، ولا تعمل كحكومة في طور الانتظار. وهي غير قادرة على استيعاب الانشقاقات، فضلًا عن توفير الأمن هو الآخر.

سابعًا: تشير دروس التاريخ إلى أن تغيير الأنظمة يتطلّب عادة وجودًا ميدانيًا فعليًا على الأرض. وهذا ما تثبته تجارب ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك بنما والعراق وأفغانستان في مراحل أقرب. وحتى مع وجود قوات برية، غالبًا ما تخفق هذه الجهود وتكون باهظة الكلفة، كما يبرهن عليه العراق وأفغانستان. أما احتلال إيران، نظرًا إلى حجمها وقدرتها على المقاومة، فهو أمر غير قابل للتصوّر.

ثامنًا: اختارت إدارة ترامب السعي إلى تحقيق أكثر أهداف السياسة الخارجية طموحًا بوسائل محدودة. وقد رفضت خوض حرب اختيار بأهداف أضيق، مثل إضعاف القدرات النووية والصاروخية الباليستية المعروفة، وهو ما يبدو أنها حققته هنا. وإذا كان ثمة مثال حديث يقارن بما يجري في إيران، فهو ليبيا، حيث نجحت القوات الغربية قبل أكثر من عقد بقليل في إسقاط القيادة عبر القوة الجوية، لكنها فشلت في المتابعة، فتركت البلاد غارقة في الفوضى.

تاسعًا: كل ما يجري جاء مفاجئًا إلى حد كبير. فهذه إدارة لم تُبدِ اهتمامًا بتغيير الأنظمة أو بتعزيز الديمقراطية في أماكن أخرى. كما أنها لم تُظهر شهية لمغامرات خارجية مكلفة، كان ترامب قد وعد خلال حملته بأنها لن تعود حجر زاوية في السياسة الخارجية الأميركية. فلماذا حدث ذلك هنا والآن يبقى لغزًا، إذ لا توجد أدلة واضحة على أن النظام الإيراني – مهما كان ضعيفًا وغير محبوب – يقف على حافة الانهيار.

عاشرًا: من المحتمل جدًا أن حشد وجود عسكري ضخم في المنطقة – ما وصفه الرئيس ترامب بـ«الأرمادا» – بعد فشل التهديدات الكلامية في ردع الحكومة الإيرانية عن قتل معارضين سياسيين، قد وضع ضغوطًا على إدارة ترامب للتحرّك. فالقوات لا يمكن إبقاؤها إلى ما لا نهاية في حالة جاهزية عالية في الميدان. ونتيجة لذلك، لعبت وسائل السياسة دورًا كبيرًا في تحديد غاياتها، أي قرار الهجوم نفسه، وهو عكس ما ينبغي أن تكون عليه عملية صنع القرار الرشيد.

حادي عشر: اختارت الولايات المتحدة مرة أخرى القيام بالتزام استراتيجي ضخم في الشرق الأوسط. وهذا يتعارض مع استراتيجية الأمن القومي الخاصة بإدارة ترامب نفسها، ومع حقيقة أن التحديات الكبرى للمصالح الأميركية تتركز في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. والمقارنة هنا هي مع حرب العراق عام 2003، وهي حرب (اختيار) وقائية أخرى اندلعت في المنطقة وكلّفت الولايات المتحدة أثمانًا باهظة. ولا شك أن فلاديمير بوتين وشي جين بينغ يشعران بالرضا حيال ذلك.

ثاني عشر: الشعب الأميركي غير مستعد لهذه الحرب، وكذلك القاعدة السياسية لترامب. فالحرب، ولا سيما إذا طال أمدها، ستربك الأسواق، وتؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وربما تسفر عن هجمات على منشآت أميركية وعلى أميركيين حول العالم. بدوره، لم يستخدم الرئيس ترامب خطاب حالة الاتحاد مساء الثلاثاء لعرض مبررات الهجوم على إيران، كما أن جزءًا كبيرًا من بيانه عقب هجوم السبت ركّز على أفعال إيرانية سابقة، لا على تهديدات جديدة أو آخذة في الظهور.

ثالث عشر وأخيرًا: من الممكن أن تكون غارات العام الماضي التي لم تترتب عليها كلفة على ثلاثة مواقع نووية إيرانية، وكذلك التدخل الأحدث في فنزويلا، قد عزّزت لدى ترامب ومن حوله ثقة كبيرة بإمكانية تحقيق أهداف طموحة بوسائل محدودة وكلفة منخفضة. هذا احتمال قائم دائمًا. لكن التاريخ يحذّر من أن الدعوة إلى تغيير النظام أسهل بكثير من إنجازه بنجاح، وأنه في حين يكفي طرف واحد لبدء الحرب، فإن إنهاءها يتطلّب طرفين. لقد بات لإيران الآن، والحال كذلك، صوت حاسم في تحديد حجم هذا الصراع ومدته.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.