لِمَن تقرع الأجراس؟

من حلف وارسو إلى القدس… سيرة ملاك قُتل في زمن الخرائط الباردة

في كل نهاية عام، ومع رأس السنة، أتذكّر الملاك في منطقة فيلانوف بالعاصمة البولندية وارسو، عام 1989.

في إجازة أعياد الميلاد، جلست بعد الغروب أمام مقابر قريبة من المركز الثقافي الإسلامي، مكان إقامتي في بولندا. كان زوّار المقابر يأتون لوضع الشموع والأزهار على القبور قبل الغروب، ثم يذهبون جميعًا. بقيتُ وحدي، أتأمّل الطقوس في صمتٍ رهيب؛ وحدةٌ غريبة، شوارع متوحشة من الثلج والضباب، شتاءٌ قارس، البواخر راسية في الميناء، وأشجار عيد الميلاد تضيء في النوافذ.

والأجراس تقرع… لِمَن تقرع الأجراس؟ لماذا نحن غرباء في أعياد المدينة؟ لا أحد يأتي، لا أحد يذهب.

«ما زلت أنظر إلى الطريق، لا عمل لي سوى التأمل والنظر إلى الطريق؛ الثلج والضباب والمطر». وفجأة، توقفت الحافلة أمام محطة الحافلات المقابلة لي، ونزلت الملاك. صبية كاملة الأركان، راهبة بالزيّ الأسمر والأبيض، اتجهت نحوي. انتفض جسدي؛ كانت لوحة، صورة ملاك. ابتسامتها العريضة، تقاسيم وجهها… لم أرَ هذا الجمال من قبل. الأجراس تقرع، وصوت فيروز في مسامعي وهي تنشد: يا قدس، أمام كنيسة المهد.

ما زالت الملاك تنتظر وتنظر نحوي. اقتربت وتحدّثت. كنت أعرف بعض الكلمات البولندية القليلة جدًا، ومن لغة الإشارة فهمتُ أنها تسأل عن مكان الدير، وكان في شارع جانبي قريب من الشارع الرئيسي. ظلّت تبتسم. فهمتُ أنها ستأتي خلال فترة الأعياد كل يوم إلى الدير في التوقيت نفسه، وأنها من مدينة كراكوف.

بدأنا السير إلى الدير. وفي الطريق، كان هناك مبنى عتيق قريب من الدير، صامتٌ كأنه شاهد قبرٍ من زمنٍ آخر؛ مبنى تابع لحلف وارسو، ذلك الحلف الذي شهد صراع الحرب الباردة بين المعسكرين: الحلف الأطلسي وحلف وارسو.

كنت كلما مررت بجواره، يعود إليّ ما درسته في كتب التاريخ والجغرافيا السياسية: عالمٌ منقسم، خرائط مرسومة بالدم، وحدود باردة مثل هذا الشتاء، وأيديولوجيات تتصارع فوق رؤوس البشر، بينما الملاك تمشي إلى جواري، خفيفة، بريئة، كأنها خارج هذا التاريخ كلّه.

استمرّ الحال؛ كل يوم كنت أنتظر بعد الغروب عند محطة الحافلات. حتى جاء يوم الوداع. طلبتُ منها قبلة عذرية، فابتعدت وقالت: اعقل يا فتى، فأنا حورية… إنها ملاك في معقل عاصمة الشيوعية سابقًا.

ذهبت الملاك. وسافرتُ بعد شهور إلى ألمانيا. جاء عيد الميلاد دون الملاك. بدأت الأحلام. تخيّلت أن تأتي في الموعد نفسه ومن الطريق ذاته.

لماذا لا تأتي من النوافذ؟ لماذا أنتظر في الصيف وأنتظر في الشتاء، ولا ملاك، ولا أحد يأتي؟

احتمال أن تطلع من الأحراش، فنذهب نلعب في البرية، لعلنا نسمع صرخة النبي يحيى: أنا صارخ في البرية. نكتب على الأحجار…

لكن جاء الثلج وذهب الثلج، عشرين مرة جاء وذهب، ولا أحد جاء، ولا أحد ذهب. أنا من عشّاق المطربة فيروز. ومع الأحداث الجارية في أمتنا العربية الجريحة، دائمًا أستمع إلى يا قدس، وإلى الموسيقى التصويرية للبيت العتيق، وصوت الأذان مع أجراس الكنائس، وصور الراهبات في القدس.

الأحلام التائهة ترافقني في المنام، بعد أن صار هناك قتال، وقصف، وصوت فيروز.

ماتت الملاك في القدس.

هم قتلوا الملاك في النهار.

لماذا قتلوا الملاك، الصهاينة؟

ما عاد فيه ناس، وما عاد فيه شتاء، ولا ثلج، ولا شارع. سقط البيت العتيق.

ما عاد فيه وطن، ولا أشجار. جفّ دمع الزهر، وما في فوانيس.

أين ذهبت فوانيس الشوارع من القصف؟

قلت: فيروز تكذب… مؤرّخة الحارة، وزمن الفوانيس، ونواطير العنب، و«شايف البحر شو كبير»، كِبر البحر بحبّك.

مات الحب مع بكاء الأرامل، والثكالى، والأطفال، والشيوخ.

آسف يا فيروز… ماتت الملاك.

أصبحنا في زمن تقاس فيه القلوب بحجم البحر. زمن الفن الجميل والحب العذري؟

نحن في زمن «شايف حجم السيارة والبيت والبطاقة المصرفية شو كبير؟» حسب حجم السيارة… بحبّك!

انتهى زمن الأطفال الكبار، ورقصات الشوارع، ومواسم الحصاد. دخلنا زمن الأقزام، وزمن الزبائن في مقاهي وسائل التواصل الاجتماعي، طابور يدخل، وآخر ينتظر. وما زالت تحكي البنت المجنونة فيروز عن صيف وشتاء، وعن مواسم العصافير، وعن صبي يأتي من الأحراش.

كل شيء كان «غير الشكل»؛ غير شكل الزيتون، وغير شكل الليمون، وغير شكل اليانسون. حتى أنتِ غير شكل. حتى رفيف العصافير كان غير شكل.

أين ذهبت العصافير؟ لماذا انطفأت فوانيس الطرقات؟ لم يعد أحد ينظر إلى أحد.

كان زمن يأتي فيه العصفور، يحمل سلامًا، وينفض جناحه على الشباك، يخفي الأسرار في جناحه. قبل زمن الزبائن خلف الشبابيك، وخلف غرف النوم، في انتظار الدور. لا أحد راح، ولا أحد جاء.

لم يعد أحد يظهر في الطريق. لكن عيون الملاك الصبية تأتي من الأشجار، ومن الضباب، ومن الأحراش، ومن الأيام، ومن الأحلام.

تأتي في سنوات الغربة، والعزلة الاختيارية، وزمن الحرب، والخوف… والخوف من الخوف. تأتي من المشاوير، ومن ورق الخريف.

أنا أيضًا سألت شجر اللوز، ورسمت على المشاوير. انتظرت في الصيف، وانتظرت في الشتاء. نذرت شمعة، وقلت: خلّيني دمعة بدربك. رأيت في الصحو ما جاء من الصحو، في مواسم العصافير.

لكن… لا أحد جاء، ولا أحد ذهب. وما زلت أنتظر، وعيني على الطريق، في انتظار الملاك من الدير.

وفي الخاتمة، كلما أطلّ عامٌ جديد، يعود إلى ذاكرتي ذلك المبنى العتيق لحلف وارسو القابع قرب الدير؛ كتلةٌ من حجرٍ باردٍ تختزن صراع الخرائط والقوى، يذكّرني بما قرأته في كتب التاريخ والجغرافيا السياسية عن عالمٍ قُسّم بين حلفين، فيما كان الملاك يعبر المشهد بلا سلاح. سقط الحلف وبقي المبنى شاهدًا، وغابت الملاك وبقي السؤال معلّقًا: في زمن الخرائط الحديدية والقلوب المتحجرة… لِمَن تقرع الأجراس؟

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.