لم يعد “العدّ التنازلي” في خطاب دونالد ترامب مجرد أداة ضغط عابرة، بل تحوّل إلى نمط سياسي كامل يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة؛ من مهلة اليوم الواحد إلى هدنة الأسبوعين التي طُرحت مؤخرًا كنافذة لوقف الحرب وإعادة فتح مسارات التفاوض. لكن السؤال هذه المرة أكثر تعقيدًا: هل نحن أمام تهدئة حقيقية، أم مجرد إعادة ضبط لإيقاع الصراع؟
هدنة الأسبوعين: استراحة محارب أم مناورة سياسية؟
الطرح الأمريكي الجديد لا يبدو منفصلًا عن سياق سابق من “الإنذارات المؤجلة”، لكنه يختلف في الشكل؛ فبدلًا من التهديد المباشر، تأتي الهدنة كعرض مؤقت لاحتواء التصعيد. غير أن هذه الصيغة تظل محكومة بذات العقلية: ضغط سريع، ثم انتظار رد الفعل.
في علم الاستراتيجية، تُستخدم الهدنة القصيرة غالبًا لفتح قنوات خلفية أو اختبار نوايا الخصوم. لكن في حالة ترامب، تبدو الهدنة أقرب إلى “فرصة أخيرة” مغلّفة سياسيًا، لا إلى مشروع تسوية متكامل.
نتنياهو بين الالتزام والمناورة
تصريحات بنيامين نتنياهو عقب طرح الهدنة لم تحمل حسمًا واضحًا، بل جاءت مزدوجة الدلالة: ترحيب حذر من جهة، وتأكيد على استمرار “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” من جهة أخرى.
هذا التناقض ليس جديدًا؛ فهو يعكس معادلة إسرائيلية ثابتة: القبول بالتهدئة تكتيكيًا، مع الإبقاء على خيار التصعيد قائمًا. لكن المستجد هذه المرة هو اتساع نطاق التساؤل: هل تشمل الهدنة جبهات أخرى، وعلى رأسها لبنان؟
لبنان: الحلقة الأكثر هشاشة
يبقى لبنان السؤال الأصعب في معادلة الهدنة. فالمواجهة مع حزب الله لا تُدار بنفس منطق غزة، بل تخضع لحسابات إقليمية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها إيران وسوريا، وحتى توازنات الداخل اللبناني.
إذا لم تشمل الهدنة لبنان بشكل صريح، فإن خطر “التصعيد الموازي” سيظل قائمًا؛ حيث يمكن أن تهدأ جبهة بينما تشتعل أخرى. أما إذا شملته، فذلك يعني ضمنيًا فتح باب تفاوض أوسع مع طهران، وهو ما لم تُعلن واشنطن استعدادها له بوضوح.
إيران: مراقبة من خلف الستار
في طهران، لا يُنظر إلى هدنة الأسبوعين كفرصة للسلام، بل كاختبار جديد للنيات الأمريكية. النظام الإيراني يدرك أن أي تهدئة لا تتضمن ضمانات حقيقية قد تتحول إلى مجرد استراحة لإعادة التموضع العسكري والسياسي.
لذلك، ستظل إيران تمارس استراتيجيتها المعتادة: دعم الحلفاء ميدانيًا، مع تجنب الانخراط المباشر، وانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة.
السيناريوهات المحتملة بعد الأسبوعين
إذا انتهت هدنة الأسبوعين دون اختراق سياسي حقيقي، فإن المنطقة ستكون أمام ثلاثة مسارات:
- تثبيت تهدئة هشة: تمديد غير معلن للهدنة، مع استمرار التوتر تحت السطح، وهو السيناريو الأكثر واقعية.
- عودة التصعيد المحدود: استئناف العمليات العسكرية بشكل محسوب، خصوصًا في المناطق الأكثر اشتعالًا.
- اتساع رقعة المواجهة: وهو السيناريو الأخطر، حيث قد تنتقل المواجهة إلى لبنان بشكل أوسع، ما يفتح الباب أمام صراع إقليمي متعدد الجبهات.
شعبوية التهدئة وحدودها
كما كانت المهلة القصيرة أداة ضغط شعبوية، قد تتحول الهدنة القصيرة إلى أداة تهدئة شعبوية أيضًا. الفارق الوحيد هو تغيير اللغة، لا تغيير الجوهر.
السياسة التي تُدار بإيقاع زمني ضيق، سواء بالتهديد أو بالتهدئة، تظل رهينة ردود الفعل، لا صانعة لها. وهذا ما يجعل المنطقة تتحرك بين “ساعة الصفر” و”ساعة الانتظار”، دون أن تصل إلى “ساعة الحل”.
لبنان على حافة السؤال
يبقى لبنان هو الاختبار الحقيقي لأي هدنة قادمة: هل يُترك خارج المعادلة كجبهة مفتوحة؟ أم يُدمج ضمن تسوية أوسع تعيد رسم قواعد الاشتباك في الإقليم؟
الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الهدنة، بل قد ترسم ملامح المرحلة القادمة في الشرق الأوسط بأكمله.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر قسوة: الهدن القصيرة لا تصنع سلامًا… لكنها كثيرًا ما تؤجل الحرب.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام فرصة لالتقاط الأنفاس… أم مجرد استراحة تسبق عاصفة أكبر؟

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
