الانتخابات الإسرائيلية واحتمالات نهاية نتنياهو السياسية

عن الصحافة الغربية

منذ عودته إلى السلطة عام 2022، يتزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حزب “الليكود”، وهو أكبر حزب في البرلمان. وتوضح داليا شايندلين، وهي مستشارة سياسية وخبيرة استطلاعات مقيمة في تل أبيب، أن أحداً لم يكن يتوقع أن تصمد حكومته الائتلافية كل هذا الوقت. وتقول: “إنه يستند إلى حزبين دينيين قوميين متشددين، وحزبين دينيين أصوليين من الحريديم”. وبالمجمل، تمتلك هذه الأحزاب 64 مقعداً.

وتضيف شايندلين أن حكومة نتنياهو الائتلافية ظلّت، طوال سنوات، مثقلة بالسؤال الشائك نفسه: “هل تستطيع تمرير قانون يضمن استمرار إعفاء معظم الشبان الحريديم من الخدمة العسكرية؟”. لطالما كانت هذه المسألة موضع انقسام في المجتمع الإسرائيلي، ومع ذلك واصل الائتلاف طريقه من دون حلّها. وبالنسبة إلى شركاء نتنياهو في الائتلاف، يكتسب قانون الإعفاء هذا أهمية قصوى. وتقول شايندلين: “لقد تسبّب بسقوط حكومات كثيرة. وهذه الحكومة وصلت مراراً إلى نقطة الأزمة بسببه”.

الأسبوع الماضي، تصدّع ائتلاف هؤلاء أخيراً. وبحسب شايندلين: “قال شركاء نتنياهو إننا لم نعد نثق بهذه الحكومة لتمرير هذا التشريع”. ويفرض القانون فترة تمهيدية انتخابية مدتها ثلاثة أشهر، إذ يُعد أواخر آب/أغسطس أقرب موعد ممكن لإجراء الانتخابات، على أن يكون الموعد النهائي في 27 تشرين الأول/أكتوبر.

لا انتصار مضموناً

لا يزال نتنياهو الشخصية الأكثر شعبية بين المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، إذ تصدّر استطلاعات الرأي باستمرار منذ آب/أغسطس 2024، لكن ذلك لا يضمن له الفوز الانتخابي. ويتألف الكنيست من 120 مقعداً، حيث يُنتخب كل أربع سنوات وفق نظام التمثيل النسبي على مستوى البلاد. وتقول شايندلين: “عادةً ما تتنافس ما بين 30 و40 حزباً. إذا تجاوزت عتبة 3.25% من الأصوات، تدخل البرلمان”. ولم يسبق لأي حزب في تاريخ إسرائيل أن فاز بأغلبية 61 مقعداً أو أكثر – لذلك يعتمد نتنياهو، مثل كل من سبقوه، على ائتلافات هشّة.

ووفق شايندلين: “في جميع استطلاعات العامين الماضيين، كان ائتلافه يحصل على ما بين 49 و56 مقعداً”. وإذا بقي الرأي العام على حاله، فسيفشل نتنياهو في تأمين أغلبية جديدة. وتشير أيضاً إلى أن أحزاب المعارضة المتبقية، التي يفوق عدد مقاعدها كتلة نتنياهو، ليست بالضرورة أكثر تقدمية. وتقول: “هذه الأحزاب التي تحصل في الاستطلاعات على ما بين 64 و71 مقعداً، تهيمن عليها قوى يراها الإسرائيليون يميناً معتدلاً، أو يميناً علمانياً، أو أحزاباً شبه دينية مناهضة لنتنياهو”.

وفي حين ظل “الليكود” ثابتاً في صدارة استطلاعات الرأي، تغيّر الحزب المصنف ثانياً بصورة منتظمة. وتضيف شايندلين: “إنه دائماً حزب ينظر إليه الإسرائيليون باعتباره حزباً وسطياً أو يميناً معتدلاً. في الأشهر الستة التي سبقت 7 تشرين الأول/أكتوبر وتلك التي تلته، كان الحزب الذي يقوده [الوزير السابق الكبير] بيني غانتس”. لكن الحظوظ تتبدّل بسرعة.

تحالفات متبدلة

إن المشهد السياسي المتغيّر باستمرار يجعل الولاءات متقلبة وصعبة المتابعة. وقد أزاح رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، في الوقت الراهن، غانتس إلى المرتبة الثانية، مع أن حزبه الجديد، “معاً” أو “إسرائيل معاً”، ليس موجوداً حالياً في الكنيست. وتقول شايندلين: “ينظر إليه الإسرائيليون باعتباره حزب اليمين المعتدل، رغم أن بينيت جاء من أقصى اليمين”.

حقق بينيت هذا التقدم من خلال توحيد الجهود مع خصمه السياسي السابق، يائير لابيد. ولابيد، وهو رئيس وزراء سابق، كانت صورته السياسية في الماضي صورة وسطي علماني ليبرالي. وبرأي شايندلين: “يرى الإسرائيليون لابيد يسارياً لأنه كان آخر رئيس وزراء يؤيد علناً حل الدولتين، في أيلول/سبتمبر 2022. لكنه لم يعد يقول ذلك الآن”. بل على العكس، عند إطلاق مشروعهما المشترك، أعلن بينيت: “سنحافظ على أراضي بلدنا، ولن نسلّم سنتيمتراً واحداً للعدو”. وكان لابيد واقفاً إلى جانبه على المنصة.

هناك أيضاً كثير من المنافسين. فرئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، غادي آيزنكوت، كان يحصل في الاستطلاعات على ستة مقاعد قبل بضعة أشهر فقط. أما الآن، فيحصل على ما بين 13 و15 مقعداً. وتقول شايندلين: “إنه مفجوع، إذ فقد ابنه وابن أخيه في حرب غزة. كما أن أفيغدور ليبرمان منافس قديم لنتنياهو، من اليمين العلماني القومي. ويحصل على 10 مقاعد في معظم الاستطلاعات”.

اليوم، توجد فجوة في الوسط النسبي، بعدما انضم يائير لابيد إلى نفتالي بينيت. وتذكر شايندلين: “ثم هناك الديمقراطيون، وهو اندماج بين حزبين يساريين سابقين. معظم الإسرائيليين يرونهم يساريين جداً، أما اليساريون الصلبون فيرونهم وسطيين”. ومع سياسات تركز على السكن الميسور، والنقابات العمالية، والخدمات العامة، يدعم الديمقراطيون حل الدولتين ويعارضون الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. ويحصلون في الاستطلاعات على نحو 10 مقاعد.

وتوضح شايندلين: “الحزبان العربيان الرئيسيان لديهما حالياً 10 مقاعد، ولا يزالان يحاولان تحديد شكلهما المقبل. هل يندمجان؟ هل يبقيان منفصلين؟ هل يشكلان حزباً جديداً؟ ربما حزباً يهودياً ـ عربياً؟ كل هذه الاحتمالات لا تزال مطروحة”.

سباق مفتوح على كل الاحتمالات

رغم أن أحزاب المعارضة هذه تحصد باستمرار غالبية المقاعد، فإن طريقها إلى السلطة لا يزال شبه غير قابل للتصور. وتقول شايندلين: “قادة هذه الأحزاب المعارضة يكررون للجمهور أنهم لن يشكلوا حكومة تضم الأحزاب العربية”. وتضيف: “لو كسروا هذا المحظور، لكانت لديهم أغلبية بالطبع. لكن هنا تكمن العقدة: إذا أعلنوا ذلك، تخشى الأحزاب الصهيونية أن تفقد دعماً كبيراً لمصلحة كتلة نتنياهو الأكثر يمينية، ما يضر بفرصها”.

وعليه، فقد يتمكن نتنياهو من التشبث بالسلطة. وبحسب شايندلين: «كثير من مؤيديه يؤمنون بنظرية مؤامرة مفادها أن قادة الجيش والاستخبارات كانوا يعلمون بخطط “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر وسمحوا بحدوثها لإحراج رئيس الوزراء وإسقاطه. والاعتقاد بهذه المؤامرة بين ناخبي الائتلاف يزداد مع مرور الوقت”. وتتابع: “في الانتخابات الأخيرة، حصلت الأحزاب الداعمة له مجتمعة على 48.3%. هو لا يحتاج إلى استعادة عدد هائل من الناخبين”.

وتظهر الاستطلاعات أيضاً أن ما بين 17 و20% من الإسرائيليين لا يزالون مترددين. ووفق شايندلين: “إذا بقيت الأرقام كما هي الآن، فقد ترجّح نسب صغيرة جداً كفة الانتخابات. لنقل الأمر بهذه الطريقة: هذا السباق شديد التقارب ومفتوح للغاية في الوقت نفسه”.

نهاية نتنياهو؟

إذا تلاشت أغلبية نتنياهو، فستكون الأحزاب التقدمية أقلية واضحة. لكن، بحسب توقع شايندلين، رغم أن البلاد ستظل على الأرجح بقيادة يمينيين حازمين، فقد يحدث بعض التغيير الداخلي. وتقول: “أسلوب أقل شعبوية، وخطاب أقل انقساماً، واستهداف أقل للمؤسسات المدنية. ربما يحاولون إحياء العلاقات الدبلوماسية المتضررة. قد يرغبون في دفع مشروع تجنيد الحريديم. وقد تتراجع الهجمات على القضاء الإسرائيلي”. أما التحقيق المستقل في أحداث في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والذي قاومه نتنياهو، فمن شبه المؤكد أنه “سيجري… وسيكون محوراً ضخماً في الحملة الانتخابية”.

لكن شايندلين تضيف: “الأقل احتمالاً للتغيير هو السياسة تجاه الفلسطينيين… هذه الحكومة المختلفة قد تقول إننا بحاجة إلى البدء بإنهاء الحروب، لكن ليس عبر أي شيء يبدو كتنازلات”. وتوضح أن الهدف سيكون “خفض مستوى الضجيج حول القضية الفلسطينية لتجنب الضغط الدولي. وبمعانٍ كثيرة، سيكون الأمر مجرد تزيين للواجهة”.

أياً تكن النتيجة، تجد شايندلين صعوبة في رؤية تبدل المشكلات الأساسية المتعلقة بالفلسطينيين (الاحتلال، وتقرير المصير، وحل الدولتين). ومع ذلك، فهي تقرّ بأن غير المتوقع قد يحدث. “ربما تجد حكومة تضم طيف الأيديولوجيات الموجود حالياً في أحزاب المعارضة، وتحت ضغط دولي مستمر من جهات متعددة، نفسها في قلب العاصفة المثالية للتغيير”.

 

ترجمة بتصرف عن صحيفة “الغارديان”
بقلم / مايكل سيغالوف

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.