هل يحوم شبح تأجيل الانتخابات البرلمانية في العراق؟ (2/3)

 

في ثلاثاء الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يتجه العراق نحو استحقاق انتخابي برلماني يُعاد فيه رسم خريطة القوى السياسية وسط متغيرات محلية وإقليمية عميقة. ورغم تأكيدات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات جاهزيتها الفنية والأمنية، تُلقي سلسلة من التحديات بظلالها على المسار: من مقاطعة التيار الصدري الأكبر عددياً في الشارع الشيعي، إلى اغتيال أول مرشح في موسم الحملات، وصولاً إلى ضغوط العقوبات الأميركية على شبكات تمويل فصائل مسلحة، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلد منذ تشرين أول/أكتوبر 2019

بعد أن عرضنا في الجزء الأول صورة شاملة عن المرشّحين والنظام الانتخابي والتحضيرات اللوجستية، نتطرّق في هذا الجزء إلى تأثير العقوبات الأميركية واغتيال المشهداني على مسار الانتخابات المرتقبة.

اغتيال المشهداني: أول دم سياسي في موسم الحملات

في الرابع عشر من أكتوبر الماضي، اهتزت الساحة الانتخابية العراقية باغتيال صفاء المشهداني، عضو مجلس محافظة بغداد ومرشح تحالف السيادة، بعبوة لاصقة استهدفت سيارته في قضاء الطارمية شمال بغداد، ما أسفر عن مقتله وإصابة أربعة من مرافقيه. العملية، التي لم تتبنَّها أي جهة حتى الآن، تُعَدّ أول حادثة اغتيال تطال مرشحاً في هذا الموسم الانتخابي، وقد أثارت موجة إدانات رسمية ودولية ودعوات لتحقيق عاجل.

أمر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بتشكيل لجنة تحقيق عليا وفريق جنائي مشترك، فيما أعلن رئيس مجلس النواب محمود المشهداني تشكيل لجنة تحقيق برلمانية موازية. بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) دانت الاغتيال بشدة، محذرة من تداعيات العنف الانتخابي على نزاهة العملية وثقة الناخبين.

استخدام العبوات اللاصقة يعيد إلى الأذهان تكتيكات جماعات مسلحة في مراحل سابقة من تاريخ العراق الأمني المضطرب، ويعكس هشاشة أمن “حزام بغداد”، حيث تنشط خلايا متطرفة وخطوط تهريب. ويفرض ذلك على الأجهزة الأمنية تشديد خطط حماية المرشحين وحملاتهم، خاصة في مناطق التماس الطائفية والعشائرية.

كون الواقعة الأولى من نوعها في هذا الموسم يرفع مخاطر “الترهيب الانتخابي”، ويهدد المشاركة الفعلية في المناطق الساخنة، وقد يدفع بعض القوى إلى تقليص الفعاليات الميدانية أو تعديل أنماط الحملات خوفاً من استهدافات مماثلة. وإذا تكررت مثل هذه الحوادث، فقد تضطر المفوضية والأجهزة الأمنية إلى إجراءات إضافية مثل إنشاء مناطق خضراء للحملات الحساسة، ومسارات مرافقة أمنية مشددة، وجداول تجمعات محدودة، لتقليل المخاطر على المرشحين والجمهور.

العقوبات الأميركية: ضغط مالي على الفصائل دون حرمان انتخابي مباشر

في سياق متصل، أصدرت سلسلة من العقوبات تستهدف كيانات وأفراداً مرتبطين بفصائل مسلحة عراقية، من بينها كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، في إطار حملة واشنطن على ما تصفه بـ”شبكات التمويل المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني”.

شملت العقوبات الأخيرة شركة المهندس العامة المرتبطة بالحشد الشعبي، وواجهة “بلدنا للاستثمارات الزراعية”، التي اتُّهمت بتحويل أموال حكومية وتهريب أسلحة، إضافة إلى قياديين ماليين ومصرفيين مثل علي محمد غلام حسين الأنصاري، وعلي مفتن خفيف البيضاني، وعقيل مفتن خفيف البيضاني، بتهم غسل الأموال والتلاعب بالنظام المصرفي.

الإدراج على قوائم العقوبات الأميركية (SDN) يعني تجميد الأصول الواقعة ضمن الاختصاص الأميركي، وحظر التعامل بالدولار عبر النظام المالي الأميركي، ومنع الشركات والأفراد الخاضعين للولاية الأميركية من تقديم الأموال أو السلع أو الخدمات للجهات المعاقبة، مع قيود عملية ثانوية على المصارف والشركات التي تتعامل معهم بسبب مخاطر الامتثال.

لكن هذه العقوبات، على أهميتها المالية والسياسية، لا تشكل تلقائياً سبباً قانونياً داخل العراق لاستبعاد قوائم أو مرشحين من الانتخابات. فالقبول والاستبعاد يخضعان للقانون الانتخابي العراقي، وقرارات هيئات المساءلة والعدالة والنزاهة، والقضاء الانتخابي المحلي. وتلتزم المفوضية بتنفيذ القرارات الوطنية فقط، ما لم تتوافر أحكام قضائية عراقية باتّة أو قرارات من جهات رقابية مختصة بحق أحزاب أو مرشحين بعينهم.

الأثر المباشر للعقوبات يتمثل في تضييق القنوات المالية الدولارية على الحملات المرتبطة بالجهات المعاقبة، ما يرفع كلفة الامتثال على المصارف المحلية ويجبر تلك الحملات على الاعتماد على قنوات نقدية ومحلية أقل شفافية وأكثر مخاطرة قانونية. كما تُستخدم العقوبات في السجال الانتخابي لتقويض شرعية الخصوم واتهامهم بالارتهان الخارجي، فيما يردّ الطرف المستهدف باتهام واشنطن بالتدخل والضغط على بغداد قبيل الانتخابات.

الحكومة العراقية انتقدت إدراج شركات حكومية ضمن العقوبات وعدّته إجراءً أحادياً يؤثر على الشراكة الاقتصادية، ما زاد الجدل السياسي والإعلامي حول توقيت القرارات. وفي حال اتسعت العقوبات لتشمل قادة سياسيين أو واجهات اقتصادية أكبر حجماً، فقد تتأثر مفاوضات تشكيل الحكومة ما بعد الانتخابات بتعقيدات التعامل الدولي والمصرفي مع كتل ترتبط بشخصيات معاقبة، ما ينعكس على توزيع الحقائب الاقتصادية والمالية الحساسة.

شبح التأجيل: أصوات تحذّر والموقف الرسمي يصرّ على الموعد

في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت تحذيرات من أن الانتخابات قد لا تُجرى في موعدها المحدد، بسبب خليط من العوامل: مقاطعة التيار الصدري وتداعياتها على الشرعية، وتصاعد التوترات الإقليمية بين إيران وإسرائيل واحتمال ارتداداتها الأمنية داخل العراق، وأزمات قانونية كأزمة المحكمة الاتحادية العليا التي شهدت استقالات وخلافات داخلية.

تقارير وتحليلات محلية حذّرت من أن تلاقي المقاطعة الصدرية مع التوترات الإقليمية يمكن أن يفرض تأجيلاً أو يخفض المشاركة ويربك الشرعية، مع اقتباسات لخبراء يرون البيئة السياسية “حقل ألغام” قبيل الاقتراع. كما أن أزمة المحكمة الاتحادية تُعَدّ تهديداً للمسار الانتخابي إذا عطّلت الفصل في الطعون والشكاوى الحساسة أو شرعية النتائج.

في المقابل، تؤكد قيادات في الإطار التنسيقي ومسؤولون حكوميون عدم قابلية التأجيل إلا بقرار سيادي استثنائي، ويعتبرون الدواعي الحالية غير كافية، مستشهدين بقدرة الأجهزة الأمنية على تأمين الاقتراع رغم احتجاجات محتملة. وتصف تحليلات بحثية دولية استحقاق 2025 بأنه “إعادة معايرة” لا قطيعة، وتُرجّح المضي قدماً مع مفاوضات لاحقة معقدة لتشكيل الحكومة، ما يعني أن التوقع الأساسي يميل إلى بقاء الموعد قائماً.

لكن تأجيلاً مفاجئاً، إن حدث، سيفاقم أزمة الثقة ويؤدي إلى طعون سياسية وشعبية واسعة، ويغذي سرديات العجز المؤسسي، ويضغط على علاقات بغداد بالشركاء الدوليين. كما أن فراغاً تمديدياً قد يزيد فرص العنف السياسي أو الاحتجاجات الواسعة، خاصة في مناطق التماس، ويضر باستمرار حكومات الأمر الواقع بإقرار الموازنات والإصلاحات ويزيد كلفة الاقتراض ويؤخر مشاريع البنية والخدمات.

 

من سيكون الرابح الأكبر في انتخابات العراق 2025 في ظلّ كلّ هذه المتغيّرات؟ وهل ستتكرّر التجربة العراقية نفسها، لنكون أمام ماراثون جديد من المحاصصة؟ التفاصيل في الجزء الثالث والأخير.

 

 

 

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.