ماذا عن «اليوم التالي»؟ … هل يعود شبح 1975؟

تتعزز المخاوف كلما اقترب الحديث عن أي هدنة محتملة بين لبنان وإسرائيل. فالحروب لا تنتهي عادة عند لحظة وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها معركة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالناس الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم وإحساسهم بالأمان. وفي لبنان اليوم، حيث يعيش مئات الآلاف من النازحين منذ أشهر طويلة بعيداً عن قراهم المدمرة وبيوتهم المجروفة، يبرز سؤال يتجاوز السياسة والعسكر إلى الاجتماع والاقتصاد والأمن، ماذا سيحدث إذا حلّ الشتاء قبل إعادة إعمار البيوت؟ وأين سيذهب النازحون إذا لم يجدوا سقفاً يحميهم؟

ليست هذه المرة الأولى التي يواجه فيها لبنان معضلة بهذا الحجم. ففي منتصف سبعينيات القرن الماضي، ومع توسع الحرب الأهلية وانهيار قدرة الدولة على إدارة حركة النزوح الداخلي، شهدت العاصمة بيروت ومحيطها ظاهرة احتلال الأبنية والشقق السكنية الفارغة.

آنذاك، كانت آلاف العائلات تبحث عن مأوى بعد تهجيرها من مناطق الاشتباكات، بينما كانت توجد في المقابل أبنية وشقق مهجورة أو غير مأهولة، سواء بسبب سفر أصحابها أو نزوحهم هم أيضاً إلى مناطق أخرى. ومع تراجع سلطة الدولة وتفكك المؤسسات الأمنية والقضائية، تحوّل الكثير من هذه الأبنية إلى مساكن أمر واقع. دخلت عائلات إلى شقق لا تملكها، واستقرت فيها لسنوات طويلة، وأصبح إخلاؤها لاحقاً من أعقد الملفات العقارية والقانونية في لبنان. بعض هذه الحالات استمر لعقود، وتحوّل من قضية إنسانية طارئة إلى نزاع مزمن بين مالكين ومستثمرين وساكنين فرضتهم ظروف الحرب.

لم تكن المسألة يومها مجرّد أزمة سكن، بل كانت تعبيراً عن انهيار المجتمع. فعندما يشعر المواطن بأن الدولة غائبة، وأن حاجاته الأساسية غير مضمونة، تبدأ المجتمعات بإنتاج حلولها الخاصة، ولو كانت خارجة عن القانون، وهنا تحديداً يكمن الدرس الأخطر الذي ينبغي استحضاره اليوم.

لكن استحضار التاريخ يفرض أيضاً التنبّه إلى الفوارق الجوهرية والخطيرة بين الأمس واليوم. ففي سبعينيات القرن الماضي، ورغم تفكك مفاصل الدولة، كان النظام المصرفي اللبناني سليماً، والعملة الوطنية تمتلك روحاً شرائية، ولم تكن مدخرات الناس وجنى أعمارهم قد تبخّرت.

أما اليوم، فإن المشهد يبدو أكثر سوداوية وتطرفاً، فالنزوح الحالي يصطدم بانهيار مالي واقتصادي تاريخي، ومصارف عاجزة عن الحركة. هذا التآكل المالي يعني أن العائلة النازحة باتت لا تملك حتى ترف التفكير في استئجار شقة متواضعة كبديل مؤقت، ما يرفع منسوب اليأس الفردي، ويسرّع من احتمالية الاندفاع نحو خيارات “الأمر الواقع” العقاري بشكل أعنف وأسرع مما شهدناه في الماضي.

فإذا افترضنا قيام هدنة أو تسوية توقف العمليات العسكرية، فإن ذلك لا يعني تلقائياً عودة الحياة إلى طبيعتها. هناك قرى بكاملها تحتاج إلى إعادة إعمار، ومنازل مدمرة تحتاج إلى سنوات من العمل والتمويل. وفي المقابل، توجد في بيروت وضواحيها وبعض المناطق الجبلية آلاف الوحدات السكنية المقفلة أو غير المستثمرة، بعضها يعود لمغتربين، وبعضها الآخر يحتفظ به أصحابها كاستثمار للمستقبل.

وفي الظروف الطبيعية تبقى هذه الملكيات الخاصة مصانة بالقانون، لكن التاريخ بَرهَنَ أن الظروف الاستثنائية تخلق ضغوطاً استثنائية. فالعائلة التي تمضي شهوراً أو سنوات في خيمة أو مركز إيواء، ثم تجد نفسها أمام شتاء قاس، قد لا تنظر إلى الشقة الفارغة بالمنظار القانوني نفسه الذي ينظر إليه مالكها.

ومع تزايد الشعور بالحرمان أو الإهمال أو التمييز، يمكن أن تتشكل لدى بعض الفئات قناعة بأن حق السكن يتقدم على حق الملكية، أو أن الضرورة تبرر تجاوز القانون.

وتزداد خطورة المشهد عندما يترافق كل ما تقدّم مع احتقان اجتماعي وسياسي متبادل. فجزء من النازحين يشعر اليوم بأن وجوده في بعض المناطق غير مرحب به، أو أنه مَوضع اتهام دائم ومسؤولية جماعية عن الحرب ونتائجها.

وفي المقابل، يشعر جزء من المجتمعات المضيفة بأن أعباء النزوح تفوق قدرته الاقتصادية والاجتماعية. هذا الشرخ النفسي والميداني يفتح الباب أمام معضلة “الفرز الديموغرافي القسري” وتغيير هوية المناطق. إن استقرار مئات الآلاف من النازحين لسنوات طويلة في مناطق ذات صبغة طائفية وسياسية مختلفة عن قراهم الأصلية، بذريعة غياب البدائل، لن يُنظر إليه كأزمة سكن عابرة، بل قد يُترجم سياسياً وشعبياً في المناطق المضيفة على أنه محاولة لتغيير التوازنات الحساسة، وهو ما يستحضر هواجس “الكانتونات” والخطوط الحمر التي قسّمت البلاد سابقاً، ويحوّل الأزمة الإنسانية إلى معركة وجودية شرسة بين المكونات اللبنانية.

وما يضاعف من واقعية هذا السيناريو المخيف هو غياب “شبكة الأمان الدولية” وتراجع اندفاعة التمويل الإقليمي. ففي الحروب السابقة، وتحديداً بعد حرب تموز 2006، كان تدفق المساعدات المالية العربية والدولية فورياً وضخماً ومباشراً، وساهمت صناديق إعادة الإعمار والتعويضات السريعة في تقليص زمن النزوح وإعادة ربط الناس بأرضهم. أما اليوم، وفي ظل التوازنات السياسية بالغة التعقيد، والبرود الإقليمي والدولي تجاه الأزمة اللبنانية، يبدو أن أموال إعادة الإعمار لن تتدفق بيُسر، وستكون محكومة بشروط قاسية وجداول زمنية طويلة. هذا يعني أن فترة الانتظار في العراء ستطول بشكل غير مسبوق، وأن “الملجأ المؤقت”، سيتحول إلى بؤرة استنزاف طويلة الأمد تزيد من احتمالية الانفجار الاجتماعي والزحف نحو الشقق المقفلة.

من هنا، فإن الحديث عن احتمال احتلال شقق فارغة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره توقعاً حتمياً أو سيناريو مرجحاً بالضرورة، بل باعتباره تحذيراً من ديناميات اجتماعية معروفة في المجتمعات الخارجة من الحروب. والأخطر من مسألة السكن نفسها هو ما قد ينتج عنها من انقسامات سياسية وطائفية جديدة، فإذا تحولت أي حادثة من هذا النوع إلى مواجهة بين مالكين ونازحين، أو بين مناطق مضيفة ووافدين، فقد تستعيد الذاكرة اللبنانية صوراً مؤلمة من بدايات الحرب الأهلية، عندما بدأت المشكلات الاجتماعية تتحول تدريجياً إلى صراعات سياسية وأمنية واسعة.

لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بما بعده. ماذا عن “اليوم التالي”؟ كيف ستؤمَّن مساكن مؤقتة للنازحين؟ من سيموّل إعادة الإعمار في ظل إفلاس الدولة وانكفاء الخارج؟ كم ستستغرق العودة إلى القرى في غياب القدرات المالية الفردية؟ وما هي الضمانات التي تمنع تحوّل الأزمة الإنسانية إلى انفجار اجتماعي وأمني يقضي على السلم الأهلي؟

إنّ اليوم التالي لأي هدنة لن يُقاس بعدد البنادق الصامتة، بل بعدد العائلات التي تجد باباً تفتحه لا باباً تقتحمه. فالتاريخ اللبناني يُظهر أن الحروب تبدأ أحياناً برصاصة، لكنها قد تُولد أيضاً من بيت مهدّم، أو من شعور بالظلم، أو من دولة تتأخر في معالجة جراح الناس.

وبين أنقاض الجنوب والبقاع والضاحية، والشقق المقفلة في المدن، يقف لبنان مرة أخرى أمام اختبار قديم يتجدد بصيغ أكثر قسوة، فهل ينجح في إدارة تداعيات الحرب، أم يتركها تتحول إلى أزمة عاصفة تلتهم ما تبقى من هيكل الوطن؟

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.