لبنان… تفاوض أم استسلام؟

تحليل – خاص «بيروت 2030»

تتصاعد في الآونة الأخيرة وتيرة التساؤلات حول جدوى وأهداف المساعي الدبلوماسية التي تُطرح كطوق نجاة للبنان وسط لهيب الحرب الإقليمية. وفي خضم تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك المصالح الدولية، يُطرح خيار التفاوض بين لبنان و”إسرائيل” وكأنه خطوة طبيعية نحو التهدئة.

غير أن التمعّن في توقيته وشروطه يكشف أنه قد يكون جزءاً من مسار أشد تعقيداً وخطورة. فالمسألة لا تتعلق بمحادثات تقليدية بقدر ما ترتبط بإعادة رسم موازين القوى وفرض وقائع جديدة على لبنان، في لحظة يبدو فيها ميزان الضغط العسكري والسياسي مائلاً بشكل واضح لصالح “إسرائيل”.

من هنا، يتجاوز النقاش حدود القبول أو الرفض ليطال طبيعة الأثمان التي قد تُفرض، وحدود ما يمكن للبنان تحمّله، في ظل واقع داخلي هش وتحديات خارجية متصاعدة.

أحد أبرز الهواجس شبه المؤكدة يكمن في احتمال دفع لبنان إلى مسار منفصل عن بقية ساحات الاشتباك الإقليمي. فبدل أن يكون جزءاً من طاولة المفاوضات في إسلام أباد، قد يجد نفسه معزولاً في مفاوضات ثنائية تفقده أوراق الضغط.

هذا الفصل، إذا تحقق، يمنح خصومه فرصة للتعامل معه كحالة منفردة، لا كجزء من شبكة نفوذ مترابطة، وهو ما قد ينعكس على قدرته على انتزاع أي مكاسب سياسية أو ميدانية. وما يزيد من خطورة هذا الانعزال غياب الغطاء العربي الموحّد الذي شكّل تاريخياً سنداً للبنان، ما يتركه وحيداً في مواجهة شروط “اتفاقات الضرورة”.

في خلفية هذا المشهد، تبرز حسابات دولية، لا سيما لدى الإدارة الأميركية التي تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة لإنهاء التوترات المكلفة في المنطقة. ومن هنا، قد يصبح تفكيك الجبهات أولوية، بما يسمح بفرض تسويات جزئية بدل معالجة شاملة للصراع.

إن المقاربة البراغماتية التي تعتمدها الإدارة الأميركية تميل إلى التعامل مع لبنان بوصفه ساحة قابلة للتهدئة المرحلية عبر ترتيبات أمنية هشّة لا تؤسس لسلام مستدام، بقدر ما تنتج هدوءاً ظرفياً قابلاً للانفجار، وهو ما يضع لبنان أمام معادلة استراتيجية دقيقة: البقاء رهينة دور وظيفي في إدارة الأزمات لا في حلّها.

أما على مستوى شكل التفاوض، فإن القلق يتضاعف عندما يُطرح خيار الحوار تحت وطأة العمليات العسكرية. فالتجارب السابقة تشير إلى أن التفاوض في ظل القصف لا يكون متكافئاً، بل يتحول إلى عملية فرض شروط. وفي هذا الإطار، قد يُستخدم التصعيد العسكري كوسيلة ضغط مباشرة، بحيث تتحول كل جولة تفاوض إلى استجابة قسرية لمعادلة القوة، لا إلى نقاش سياسي متوازن.

إن استراتيجية “التفاوض بالنار” تهدف بالدرجة الأولى إلى إنهاك المفاوض اللبناني ودفعه نحو القبول بما كان يرفضه في زمن الاستقرار، مستغلة الألم الشعبي المثقل بالفقد والخسائر، إضافة إلى الدمار الهائل في البنية التحتية.

السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال تكرار نماذج سابقة حيث استُخدمت أدوات الحصار والتدمير والقتل والمجازر لدفع الطرف الأضعف نحو القبول بشروط قاسية خلال كل جلسة تفاوض. في مثل هذا الواقع، لا يعود التفاوض خياراً حراً، بل نتيجة ضغط ميداني مستمر، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الدخول في مسار كهذا دون ضمانات واضحة لوقف العمليات العسكرية.

كما تبرز خشية من تحويل القرار 1701 من أداة لحفظ السيادة إلى غطاء لتدخلات أمنية أوسع، تمنح الطرف الآخر حق الرقابة أو التدخل تحت ذرائع منع إعادة التسلّح.

في المقابل، يبدو أن ما لم يتحقق عسكرياً قد يُطرح سياسياً على طاولة التفاوض. فملفات حساسة، مثل سلاح حزب الله، قد تتحول إلى شروط أساسية. وهنا يكمن خطر إضافي، إذ قد يؤدي نقل هذا الملف إلى توترات عميقة في الداخل اللبناني، وربما إلى صدامات سياسية أو حتى أمنية، بما يهدد الاستقرار الهش أصلاً.

إن المحاولات الدولية لربط المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار بتغييرات جذرية في العقيدة الدفاعية اللبنانية تضع الدولة أمام معضلة وجودية: فهل تقبل بالانهيار الاقتصادي أم تخاطر بحرب أهلية؟

ولا تقف المطالب المحتملة عند هذا الحد، إذ تُطرح أفكار تتعلق بإنشاء مناطق عازلة داخل الأراضي اللبنانية خالية من السكان لضمان أمن المستوطنات الشمالية. مثل هذا الطرح، الذي يُنسب إلى دوائر في الحكومة الإسرائيلية، يفتح الباب أمام إعادة رسم الواقع الجغرافي والديموغرافي في الجنوب اللبناني، مع ما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وسيادية.

إن تحويل مساحات شاسعة من الجنوب إلى “أرض محروقة” أو مناطق منزوعة الوجود المدني يعني تدمير سبل عيش آلاف العائلات وتهجيراً طويل الأمد، ما يكرّس واقعاً احتلالياً بصبغة أمنية حديثة لطالما شكّل هدفاً إسرائيلياً.

يُضاف إلى ذلك الخوف من استغلال الضعف الرئاسي والمؤسساتي في لبنان لتمرير اتفاقات تفتقر إلى الشرعية الشعبية والدستورية الكاملة. فغياب حكومة كاملة الصلاحيات يجعل الموقف اللبناني أكثر هشاشة أمام الإملاءات الخارجية، حيث يُخشى من تحويل المفاوضات إلى منصة لفرض “وصاية” سياسية جديدة تُعيد صياغة النظام اللبناني بما يتلاءم مع تصورات “الشرق الأوسط الجديد”.

في ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال الأساسي: هل يمتلك لبنان القدرة على خوض مفاوضات من موقع متوازن، أم أنه يُدفع نحو مسار قد يفرض عليه تنازلات كبرى تحت ضغط الواقع العسكري والسياسي؟ أما الإجابة، فترتبط بمدى قدرة الدولة على تحديد موقعها وقراءة المشهد الإقليمي بدقة، بدل الانجرار إلى خيارات قد تكون نتائجها أبعد بكثير من مجرد اتفاق سياسي.

وعليه، فإن الصمود السياسي يتطلب تماسكاً داخلياً يرفض المقايضة على السيادة مقابل الوعود الاقتصادية الوهمية، ويؤكد أن أي حل لا يضمن الانسحاب الكامل وحماية الحدود ليس سوى تأجيل لانفجار قادم لا محالة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.