المتهم بريء حتى تثبت إدانته… أم مسجون حتى تثبت براءته؟

في القوانين، يُقال إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكمٍ مبرم صادر عن محكمة مختصة.

هكذا تتحدث الدساتير، وهكذا تنصّ المواثيق الدولية، وهكذا تُدرَّس العدالة في كليات الحقوق.

لكن في لبنان، يبدو أن الواقع يسير في اتجاه آخر أكثر قسوة، حيث يتحوّل الإنسان أحيانًا إلى سجين طويل الأمد، بانتظار أن يثبت أنه لم يرتكب ما نُسب إليه.

المشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في كيفية تطبيقها.

فالتوقيف الاحتياطي وُجد كإجراء استثنائي لحماية التحقيق، ومنع الفرار أو العبث بالأدلة، لا كعقوبة مقنّعة تسبق الحكم.

إلا أن ما يحدث في كثير من الملفات يجعل التوقيف نفسه حكمًا غير معلن، خصوصًا عندما تمتد التحقيقات والمحاكمات سنوات طويلة من دون حسم.

كم من شخص دخل السجن متهمًا وخرج بعد سنوات بريئًا؟

وكم من عائلة دفعت ثمن الانتظار والخوف والوصمة الاجتماعية؟

وكم من إنسان خسر عمله وكرامته وصحته النفسية قبل أن يسمع كلمة «براءة»؟

في الأنظمة القضائية السليمة، تُعدّ العدالة السريعة جزءًا أساسيًا من العدالة نفسها، لأن التأخير المفرط يتحوّل إلى ظلم مستقل بحد ذاته.

أما حين يصبح الملف القضائي رهينة البطء، أو التدخلات، أو التعقيدات الإدارية، فإن المواطن يفقد ثقته، ليس فقط بالقضاء، بل بفكرة الدولة ككل.

والأخطر أن المجتمع غالبًا ما يتعامل مع التوقيف على أنه إدانة مسبقة.

فالخبر الأول ينتشر بسرعة: «تم توقيف فلان».

أما عندما يصدر حكم البراءة بعد سنوات، فيمرّ الخبر بصمت، كأن شيئًا لم يكن.

وهنا يكون الضرر قد وقع بالكامل، حتى لو انتهى الملف قانونيًا.

لا أحد يستطيع إعادة الزمن إلى من سُلبت منه سنوات عمره خلف القضبان بانتظار حكم يقول إنه بريء.

ولا تعويض مالي يعيد لحظة ضاعت، ولا بيان قضائي يمحو الخوف والإذلال والانكسار الذي يتركه الانتظار الطويل في النفس البشرية.

إن حماية المجتمع من الجريمة واجب، لكن حماية الأبرياء من الظلم واجب أكبر، لأن العدالة التي لا توازن بين الحقَّين تتحوّل إلى أداة قاسية تفقد معناها الإنساني.

في لبنان اليوم، لم يعد السؤال فقط: «هل يُعاقَب المذنب؟» بل أصبح أيضًا: «كيف نحمي البريء من أن يُعاقَب قبل صدور الحكم؟»

فبين النص الذي يقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، والواقع الذي يجعل البعض مسجونين حتى تثبت براءتهم، تقف العدالة اللبنانية أمام امتحان أخلاقي وقانوني خطير، لا يكفي فيه الكلام عن القانون، بل يحتاج إلى قضاء سريع، مستقل، وإنساني، يعيد إلى العدالة معناها الحقيقي قبل أن يفقد الناس إيمانهم الكامل بها.

 

مقالات الكاتب

د. علي جزائري

باحث قانوني واجتماعي حائز على شهادة الدكتوراه في الحقوق.