من ريتشارد هاس إلى هنري كيسنجر: «هذا وقت الوحوش»

في حمأة ما تمر به دول المنطقة من تخبط وتضعضع داخليّين وضغوط إقليمية (إسرائيل) ودولية (الولايات المتحدة)، يتكثّف طرح السؤال: هل الفيدرالية و/أو التقسيم يشكّلان حلًا لأزمات الشرق الأوسط؟

يشدّد دعاة الفيدرالية في المنطقة، نظريًا، على أن الأخيرة ليست أداة تفكيك بالضرورة. فهي قد تكون وسيلة لإدارة التنوع العرقي – الإثني – الديني و/أو آلية لتقليل حدّة الصراعات المركزية. أما عمليًا، فغالبًا ما منيت محاولات تطبيق الفيدرالية بالفشل، إذ تحوّلت إلى منصّة ممهّدة لانفصال أو أكثر – كما هو مآل السودان – أو فُرضت بغياب عقد اجتماعي حقيقي – كما هو شأن العراق. فالتجارب العالمية تخبرنا بأن الفيدرالية تنجح (أو تتوافر لها ظروف نجاح أمتن) فقط إذا ما نشأت من توافق داخلي. وهو توافق يغيب، بالطبع، على أكثر من صعيد في دول المنطقة ولأسباب شتى.

بدوره، ليس التقسيم بذاته حلًا بقدر ما هو إدارة مؤقتة لفوضى مزمنة. إذ هو عادةً ما يُنتج كيانات ضعيفة، متناحرة ومعتمدة في ميادين مختلفة على “خارج” ما. وليس من المبالغة بشيء القول إن دول المنطقة حُبلى بظروف الوهن والتنازع والاتكاء على الخارج، ناهيك بضعف – أو انعدام – عقودها الاجتماعية وترهّل بنيانها السوسيو – ديموغرافي الداخلي. فكيف إذا ما أدخلنا رغبات قوة مهيمنة في الإقليم (إسرائيل) وأخرى مسيطرة في العالم (الولايات المتحدة) في الإمعان بإضعاف دول المنطقة وخلخلتها؟

ثمة من يقول إن الاستراتيجية الأميركية للمنطقة ليست التقسيم كهدف معلن لانشغالها في بؤر صراع أخرى. لكن الأكيد أن واشنطن لا (ولن) تعارض، عمليًا، تفكك الدول إذ ما صبّ ذلك في خدمة مصالحها وساهم في إضعاف خصومها. بيد أن المشهد يبدو جليًا أكثر استراتيجيًا بعدسات إسرائيلية. ففي الفكر الأمني – الديني الإسرائيلي، تشكّل الدول المحيطة تهديدًا، فيما هي ترى في الدول المجاورة المجزّأة بيئة استراتيجية أسهل ترويضًا. وليس علينا سوى تتبُّع خطوات بنيامين نتنياهو العملية في السنوات الأخيرة للتيقّن من ذلك. أضف إلى ذلك التفوق الإسرائيلي الحالي – عسكريًا واقتصايًا وتكنولوجيًا – فتستحيل النتيجة فرصة ذهبية (قد لا تتكرّر قريبًا) لتسريع وتيرة المسار التفككي.

ماذا يعني ذلك؟ قبل الإجابة، نتطرّق إلى رأيين أميركيين نافذين.

فكثيرًا ما يكرّر ريتشارد هاس، الرئيس الفخري لمجلس العلاقات الخارجية والمقرّب من دوائر صناعة القرار في واشنطن، مقولة إن دول المنطقة، بنُظمها المركزية، غير قادرة على الاستجابة للصراعات والعنف داخل حدودها. ويلفت إلى أن أزمات الشرق الأوسط ليست “مشكلات قابلة للحل السريع” بل هي حالة مستمرة من الصراع والتحديات المتعددة. إذ ليس الشرق الأوسط “مشروعًا ليتم إصلاحه”، كما يردّد، بقدر ما هو “وضع يحتاج لإدارته وإحتواء تداعياته”.

وقد سبق هاس في ذلك داهية الديبلوماسية الأميركية، هنري كيسنجر، الذي اعتبر أن بعض الدول “مصطنعة وغير قابلة للاستمرار” نتيجة لعوامل عدة، منها: نشأتها بحدود وضوابط استعمارية؛ افتقارها إلى هوية وطنية جامعة؛ واستمرارها بواقع القمع المركزي (وهو توصيف ينطبق حرفًا بحرف على حال معظم دول المنطقة). لكنه كان يرى – وهنا الأهم وعودة إلى بيت القصيد – في التفكك مصلحة أميركية – إسرائيلية.

بالمحصلة، ليس وصف الوضع الراهن في المنطقة بغير المستدام مثار جدل. كذلك الأمر بالنسبة لانتفاء مشروع فدرلة/تقسيم بديل – أو معلن عنه بالحدّ الأدنى. فجلّ ما في المسألة أننا بإزاء غياب أي بديل كان لما هو قائم ويترنّح وفي حضرة محاولات متناقضة لإدارة طويلة الأمد لحالة انعدام الاستقرار والانزلاق المتواصل. هكذا، وحتى إشعار آخر، علينا أن نردّد مع أنطونيو غرامشي – وبتوجّس شديد – مقولته الشهيرة: “العالم القديم يموت، والعالم الجديد يكافح من أجل الولادة، والآن هو وقت الوحوش”. وهذا العالم هو منطقتنا، من أسف.

مقالات الكاتب

روني عبد النور

مجاز في الفيزياء والمعلوماتية ويعمل في مجال الاستشارات الإدارية. له مساهمات سابقة وحالية في الكتابة والترجمة والتحرير.