«الجيل السادس» آتٍ والصين في قمرة القيادة

في سابقة من نوعها، دعا تقرير عمل الحكومة الصينية لعام 2025 إلى تعزيز القطاعات الناشئة. وخصّ التقرير بالذكر الذكاء الاصطناعي المُجسّد والتصنيع الحيوي وتكنولوجيا الكم وشبكات الجيل السادس (G6). نركّز قليلاً على الأخير. فالصين تتصدّر ركب هذه التكنولوجيا الثورية وبصماتها واضحة تماماً حيالها. أما الآفاق، فأوسع من أن يحدّها عقل أو عائق. في الأثناء، يسارع المجتمع العلمي إلى وضع المعايير التنظيمية الممهّدة لنشر الجيل ذاك تجارياً بحلول نهاية هذا العقد. فلنغُص أكثر في طيّاته.

نبقى في الصين بداية. فهناك، ثمة انكباب جدّي على تحديد المعايير التكنولوجية لتقنية الجيل السادس برعاية الاتحاد الدولي للاتصالات. لكن تقريراً نُشر في المجلة الصينية “Scientia Sinica Informationis” العام الماضي أشار إلى اختلافات واضحة في مواقف مختلف الدول تجاه التكنولوجيا تلك. ويعود سبب عدم رغبة الأوروبيين والأميركيين في تطوير الجيل المذكور إلى تأخُّر نشر تقنية سلفه نسبياً – بخلاف الصين التي تمتلك أكبر عدد من محطات الجيل الخامس (5G) الأساسية عالمياً. وفي ما يلي مثالان تطبيقيان لما ينتظرنا في مقبل السنوات توازياً مع الاستخدام المطّرد للذكاء الاصطناعي.

بحسب ورقة بحثية ظهرت قبل أيام في مجلة “Nature”، وفّر علماء في جامعة بكين وجامعة مدينة هونغ كونغ وجامعة كاليفورنيا، عرضاً تقديمياً لشريحة الجيل السادس التي تُوفّر سرعات إنترنت تتجاوز 100 جيجابت في الثانية. وهذا أسرع بواقع عشر مرات من الحدّ النظري لتقنية الجيل الخامس، وبنحو 500 مرة من متوسط ​​سرعتها.

الشريحة صغيرة الحجم، حيث لا تتجاوز مقاييسها 11 مليمتراً و1.7 مليمتر. لكنها تعمل عبر نطاق ترددات فائق العرض، يمتد من 0.5 إلى 115 جيجاهرتز. وهو طيف تستوجب تغطيته تسعة نطاقات راديوية مختلفة، ما يتطلب عادةً مكوّنات أكثر تنوعاً. والحال أن ما يجعل الأمر ممكناً هو مُعدّل كهروضوئي يُحوّل الإشارات الراديوية إلى أخرى ضوئية. وفي المقابل، تستخدم الشريحة مُذبذبات كهروضوئية لتوليد ترددات راديوية ضمن النطاق فائق العرض آنف الذكر.

في مكان آخر، وفي دراسة لجامعة “إنتشون” الكورية الجنوبية، نُشرت نهاية العام الماضي في مجلة “IEEE Transactions on Wireless Communications”، عرض الباحثون شرحاً مُفصّلاً لنظام ذكاء اصطناعي يُقلّل من كمية المعلومات المطلوبة لإرسالها بين جهاز محمول ومحطة قاعدة لاسلكية من خلال التركيز على معلومات رئيسة مثل الزوايا والتأخيرات وقوة الإشارة.

من خلال تحسين بيانات الإشارة في الشبكات اللاسلكية التي تستخدم نطاقات الموجات المليمترية عالية التردد (mmWave) من الطيف الكهرومغناطيسي، وجد الفريق أن أخطاء الاتصال قد انخفضت بشكل ملحوظ، وأن نظام الذكاء الاصطناعي حسّن موثوقية البيانات والاتصال في بيئات متنوعة، خاصة تلك التي تنشط فيها حركة المرور والمشاة.

فما أهمية ذلك؟ بحسب الباحثين، يتعيّن الاستفادة من موارد التردد الوفيرة في نطاقات الموجات المليمترية لتلبية الطلب المتزايد بسرعة على البيانات في شبكات الجيل السادس اللاسلكية. ذلك لتتبُّع الأنماط قصيرة وطويلة المدى في تغيّرات الإشارة وبالتالي للمساعدة في التنبؤ بحركة مرور الشبكة اللاسلكية وتحسينها، من خلال التعرف على أنماط الإشارة وتصنيفها.

تطبيقات واعدة بلا شكّ. فالأجيال السابقة من التقنيات اللاسلكية ساعدت على توسيع نطاق الاتصال من خلال الصوت والنص. وأذن عصر الجيل الخامس بربط الشبكات المعقدة وأنظمة الأتمتة، متيحاً المجال لابتكارات في الواقع الافتراضي والمعزّز، وإنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي. لكن من شأن الجيل السادس دمج العالمين البشري – المادي والرقمي لتوفير أنظمة أكثر ذكاءً وابتكاراً. وهو ما سيُثورِن طريقة تفاعلنا مع العالم، مدعوماً بالذكاء الاصطناعي عبر تقنيات على غرار الاتصالات المجسّمة ونماذج التوائم الرقمية.

وإلى مزيد من التفصيل التقني. فعلى عكس الأجيال السابقة التي ركّزت بشكل أساسي على النطاق العريض المتنقل الأسرع، يتصور الجيل السادس نظام اتصالات ذكياً ومتكاملاً يدمج الاتصال والاستشعار والحوسبة في منصة موحدة. فهو سيعمل على ترددات راديوية أعلى بكثير، بما في ذلك نطاقات التيراهيرتز (THz)، التي توفّر نطاقات تردد أوسع وسِعات بيانات أعلى من ترددات الموجات المليمترية المستخدمة راهناً.

وسيُدمج الجيل السادس أيضاً الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي بشكل عميق في بنية شبكته، ما يرفع قدرته على التحسين الذاتي. كيف؟ يمكن لهذه الشبكات المستقلة اتخاذ قرارات آنية دون تدخل بشري، ما يؤدي إلى إيجاد نظام لاسلكي أكثر كفاءة وأماناً. كما سيدعم الجيل السادس مليارات الأجهزة المترابطة في المدن الذكية، بدءاً من أجهزة الاستشعار البيئي وشبكات الطاقة وصولاً إلى أنظمة السلامة العامة والبنية التحتية الذكية – تحسيناً لاستخدام الموارد، وحدّاً من التلوث في المقام الأول.

ومن خلال دمج مجالات الجيل السادس مع قدرات الحوسبة الطرفية، تصبح معالجة البيانات آنياً لتطبيقات حيوية مثل الاستجابة للكوارث متاحة بالكامل. وسيُنتج دمج الأقمار الصناعية والمنصات عالية الارتفاع مع شبكات الجيل المقبل الأرضية تغطية عالمية للإنترنت عريض النطاق.

لكن الأمر لن يخلو من تحديات اقتصادية وبيئية، كما هي حال أي تكنولوجيا حديثة النشأة. إذ سيؤدي التشغيل بترددات تيراهرتز ودعم الشبكات المستقلة المدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة استهلاك الطاقة بشكل كبير مقارنةً بالأجيال السابقة. ومع التركيز العالمي على تقليل البصمة الكربونية، هناك مخاوف متّصلة بالاستدامة مع إثارة الطلب المتزايد على الطاقة لمخاوف بيئية مشروعة.

أمنياً وتنظيمياً، سيولّد دمج تقنية الجيل السادس للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتقنيات الكم الناشئة لأسئلة مستجدة مرتبطة بالأمن والسلامة، منها: ثغرات الذكاء الاصطناعي، إذ قد يكون الدمج هدفاً للهجمات العدائية، أو تسريب البيانات، أو التلاعب بها، ما قد يُعرّض سلامة الشبكة للخطر؛ تهديدات الحوسبة الكمومية، حيث قد تُعطل الحواسيب الكمومية العديد من خوارزميات التشفير الحالية؛ ومخاوف الخصوصية والشفافية، إذ يتطلب جمع البيانات الهائل والاستشعار الشامل ضمانات شديدة لحماية هادفة وأخلاقية لبيانات المستخدمين.

بالمحصّلة، نحن على موعد قريب لانبلاج فجر تكنولوجيا مليئة بالفرص والتحديات في آن. فوفق شركة الاتصالات السويدية “إريكسون”، قد تنطلق التجارب التجارية الأولية لتقنية الجيل السادس في عام 2028. وليس من المبالغة بشيء القول إن من شأن الجيل السادس أن يُمثل قفزة عملاقة في تكنولوجيا الاتصالات اللاسلكية. طبعاً، التوافق والتنسيق العالميين بشأن المعايير واللوائح التشغيلية سيكون ملحّاً للغاية لغرض إتاحة الاستخدام التجاري السلس لهذه التكنولوجيا الواعدة. لكن الأنظار تبقى مسلّطة على الصين وتنامي بصماتها الطليعية في بلورة الجيل الموعود وضبط إيقاع انتشاره عالمياً.

المراجع:

https://doi.org/10.1038/s41586-025-09451-8

https://ieeexplore.ieee.org/document/10279055

 

مقالات الكاتب

روني عبد النور

مجاز في الفيزياء والمعلوماتية ويعمل في مجال الاستشارات الإدارية. له مساهمات سابقة وحالية في الكتابة والترجمة والتحرير.