في أيلول الماضي، استضافت دولة الإمارات ورشة دولية حول دور الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بأحوال الطقس. وعلى هامش الحدث، لفت نائب الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، كو باريت، إلى ضرورة “تسخير قوة التنبؤ والاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مجالَي الطقس والمناخ في أنظمة الإنذار المبكر واتخاذ القرارات، لأن حياة الناس تعتمد عليه”. بالفعل، كما في ميادين أخرى، يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في المجالَين المذكورين. فهل يكون حليفنا الأنجع في سباق التصدي للخطر المناخي الداهم؟ ثمة محاذير.
تتّسم نماذج التنبؤ بالطقس القائمة على الفيزياء، والمستخدَمة من قِبَل مراكز الأرصاد الجوية الرئيسة حول العالم، بالفعالية. لكنها مرتفعة التكلفة. فبينما هي تحاكي فيزياء الغلاف الجوي للكوكب لتوقّع الأحوال الجوية، إلا أنها تتطلب بنية تحتية حاسوبية بعيدة المنال، من حيث التكلفة، بالنسبة لمعظم البلدان النامية برأي الخبراء. لكن توازياً، خلال السنوات المنصرمة، أثبتت دراسات عدّة الأداء المتفوق لتوقعات الطقس المُولّدة بالذكاء الاصطناعي مقارنةً بتلك التقليدية القائمة على نماذج الطقس الرقمية. فببساطة، وبفضل عقود من عمليات الرصد وتوافُر قواعد بيانات إعادة التحليل، يستطيع العلماء تسليح الأنظمة الذكية بكمّ هائل من الأمثلة حول سلوك الغلاف الجوي وأنماطه فتتكفّل الأنظمة تلك بالباقي.
عام 2022، طوّر باحثون نماذج تعلّم عميق قادرة على توليد تنبؤات دقيقة قصيرة ومتوسطة المدى لمواقع حول العالم تصل إلى أسبوعين مُقبلين. وقد حققت نماذج مثل “Pangu-Weather” و”GraphCast”، أداء يُضاهي، لا بل يتفوق، على الأنظمة الرائدة القائمة على الفيزياء (من حيث السرعة والدقة) في تنبؤات على غرار درجة الحرارة.
وهنا مثال آخر. فقد قدّم باحثون في مجلة “Nature” في شهر أيار/مايو الماضي نموذج “أورورا” للذكاء اصطناعي الذي يستخدم التعلّم الآلي ويتفوق هو الآخر على أنظمة التنبؤ بالطقس التقليدية. ويستطيع “أورورا” توقّع مسارات الأعاصير المدارية، وتلوث الهواء، وأمواج المحيط، وحال الطقس العالمي، بدقة عالية وخلال ثوانٍ لا أكثر.
قام الخبراء بتحليل مجموعات بيانات ضخمة حول كيفية تغيّر الطقس مع مرور الوقت. واستوعب “أورورا” أكثر من مليون ساعة من المعلومات حول الغلاف الجوي للأرض، متعلّماً كيفية ميلان أنماط الطقس إلى التطور. وفي لغة الذكاء الاصطناعي، يُعدّ “أورورا” نموذجاً أساسياً يمكن أن يمر بعملية تسمّى الضبط الدقيق لتعلّم أداء أنواع عدّة من المهام المتخصصة على صعيد أنظمة الأرض المختلفة. وهو، في الواقع، تطور بارز للغاية في هذا المضمار.
لكن مهلاً. ففي تقرير حديث للمخاطر العالمية، صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، تصدّر تغيّر المناخ والمخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي قائمة أبرز عشرة مخاطر عالمية في العقد المُقبل. ففي حين سلّطت برامج مثل “ChatGPT” الضوء على إمكانات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الكفاءة، وزيادة الوصول إلى المعرفة، إلا أن لهذه التقنية آثاراً ضارة على البيئة.
لماذا؟ نركّز هنا على تكاليف الحوسبة المتّصلة بسبب ارتفاع استهلاك الطاقة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، والاستنتاجات من الاستخدام اليومي لأدواته. والحال أن البنية التحتية المادية لمراكز البيانات الداعمة لتلك النماذج تحتاج، من بين أمور أخرى، إلى أنظمة تشغيل وتبريد وإضاءة ذات استهلاك مرتفع للطاقة. مثلاً، تستهلك شريحة حديثة واحدة من إنتاج شركة “Nvidia” ما يعادل استهلاك منزلين من الكهرباء. بينما تلتهم محادثة سريعة باستخدام برنامج “ChatGPT” طاقة تفوق بعشر مرات ما يتطلبه بحث عادي على محرك “غوغل”.
بدورها، قيّمت دراسة نُشرت حديثاً في مجلة “Frontiers of Communication” نموذجاً لغوياً واسعاً مفتوح المصدر، بما في ذلك نموذجان من “Meta Llama” وثلاثة نماذج من “DeepSeek”. ووجدت أن بعضها استخدم طاقة أعلى بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالنماذج الأخرى في مجموعة البيانات استجابةً لمطالبات الباحثين. وتبيّن لهؤلاء أن نماذج الاستدلال ولّدت رموز تفكير أكثر بكثير من النماذج الأكثر إيجازاً. وهي مقاييس للاستدلال الداخلي المُولّد في النموذج أثناء إنتاج إجابته وإحدى سمات الاستهلاك المفرط للطاقة.
أما ما يزيد الأمور تعقيداً، فهو عدم كشف شركات التكنولوجيا العملاقة إلا عن معلومات بيئية قليلة مرتبطة بأنشطتها. وقد أظهر بحث لشركة “Hugging Face” المختصّة بالذكاء الاصطناعي، استُخدمت فيه بيانات من خوادم “OpenRouter” التي تجدول حركة مرور نماذج اللغة الواسعة، أن 84% من استخدام النماذج تلك في شهر أيار/مايو الماضي ارتبط بتلك التي تولّد تأثيرات بيئية مجهولة تماماً.
في كل ذلك ما يدعو للقلق. لكن ثمة بارقة تعيد بعضاً من التوازن بين الفعالية التنبؤية للأنظمة الذكية واستهلاكها المفرط للطاقة. وهو توازن يتمحور حول الوقت الذي يتطلبه إنجاز التوقع. ففي حين أن الأنظمة المعتمدة على الفيزياء قد تحتاج إلى آلاف الساعات من استخدام وحدة المعالجة المركزية لتشغيل دورة تنبؤ واحدة، من شأن نماذج الذكاء الاصطناعي القيام بذلك باستخدام وحدة معالجة رسومات واحدة في دقائق بمجرد تلقين النموذج التدريب المناسب.
يرجع ذلك إلى أن الجزء المكثف من تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي بالبيانات قادر على استخدام تلك العلاقات المكتسبة لتحقيق تنبؤ دون الحاجة إلى مزيد من الحسابات المكثفة. وهذا نقيض للنماذج الفيزيائية التي تحتسب، لكل تنبؤ، مكان وزمان كل متغير ذات صلة. بيد أن عامل السرعة ليس كافياً بحدّ ذاته. فالمسألة لا تستقيم بغياب الرقابة البشرية لأداء النماذج تلك للحدّ من التحيز الخوارزمي والسماح باتخاذ القرارات الاستباقية الصائبة.
في هذا الإطار، حذّر الدكتور مادهاف ماراثي، المدير التنفيذي لمعهد التعقيد الحيوي بجامعة فرجينيا، مؤخراً: “لا يُمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل للتنبؤ بقرارات كبيرة وهامة”. وأضافت الدكتورة جيس ريا، الأستاذة المساعدة في كلية علوم البيانات بالجامعة، منظوراً نقدياً حول الاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي في معرض التكيف مع المناخ. وقالت: “للتخفيف من أزمة المناخ، تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى بيانات مفتوحة وموثوقة، ويحتاج البشر إلى آليات شفافية هادفة”.
إذاً، ورغم سعي الخبراء إلى تطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي للوصول إلى نماذج فعالة وأقل استهلاكاً للطاقة، يبقى دورنا نحن، هنا أيضاً، أساسياً. وهو ليس دوراً رقابياً فحسب بل مسهّلاً لاستخدام أكثر وعياً للذكاء ذاك لضمان التسخير المسؤول والمستدام لفوائده المُحتملة في مكافحة تغيّر المناخ.
إننا حقاً بإزاء حليف مناخي عظيم القدرات، كما أشار نائب الأمين العام للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية. لكن بمحاذير عدّة، بلا أدنى شكّ.
المراجع:
- https://arxiv.org/abs/2202.11214
- https://www.nature.com/articles/s41586-025-09005-y
- https://www.weforum.org/publications/global-risks-report-2025/
- https://www.frontiersin.org/journals/communication/articles/10.3389/fcomm.2025.1572947/full
- https://openrouter.ai/rankings?view=month
- https://www.forbes.com/sites/heatherwishartsmith/2025/04/01/how-ai-is-transforming-climate-change-prediction-and-mitigation/

روني عبد النور
مجاز في الفيزياء والمعلوماتية ويعمل في مجال الاستشارات الإدارية. له مساهمات سابقة وحالية في الكتابة والترجمة والتحرير.
