تواطؤ العهد والحكومة في نهب الأملاك البحرية

80% من الساحل اللبناني لم يعد ملكاً للعامة

 

في لبنان، لم تعد الدولة فاسدة بالصدفة، بل بفعل التحالف القائم بين العهد والحكومة ووزارة الأشغال على تحويل المال العام إلى غنيمة. فالأملاك البحرية والنهرية، التي يُفترض أن تكون ملكاً للشعب، أصبحت رهينة المراسيم والمساومات. وما ملفّ التعدّيات البحرية إلا نموذجٌ مصغّر عن دولةٍ تتقن فنّ النهب المنظَّم، وتدير الفساد بحساباتٍ سياسية لا بقوانين.

رغم أن هذه الأملاك تمثّل مورداً عاماً قادراً على توليد مئات ملايين الدولارات سنوياً لو حُسن تنظيمها، فإن الواقع يكشف انتشار التعديات والإشغالات غير القانونية على امتداد الساحل والأنهار، وسط غياب شبه تام لآليات الرقابة والمساءلة.

ويستند هذا التحليل إلى تقارير رسمية ودراسات مستقلة صادرة عن مؤسسات مثل “نحن” و”المفكرة القانونية”، لتفكيك منظومة الفساد التي تحكم هذا الملف، وتحديد المسؤوليات الإدارية والسياسية والبيئية الكامنة خلفه.

الخلفية التاريخية: من الاضطرابات إلى الإشغال غير المنظم

تعود جذور هذه الفوضى إلى حقبة الحرب الأهلية (1975-1990) حين غابت سلطة الدولة، فتم تحويل مساحات عامة إلى ملكيات خاصة بحماية الميليشيات. ووفق دراسة منظمة “نحن” (2022)، تشمل الأملاك المعتدى عليها المناطق الواقعة ضمن 50 إلى 100 متر من حدود المياه البحرية أو ضفاف الأنهار.

ويُقدّر إجمالي المساحة المحتلة بأكثر من 7.6 ملايين متر مربع، موزعة على نحو 1670 حالة تعدٍ، تمثّل المنشآت السياحية الخاصة 67٪؜ منها، ما يعني أن 80٪؜ من الساحل اللبناني البالغ 200 كلم بات محجوزاً لخاصّة الناس لا لعامة المواطنين.

ولا تقتصر الكارثة على الشواطئ، إذ تمتد إلى الليطاني والعاصي حيث تغزو المصانع والمكبات ضفاف الأنهار، مخلّةً بالتوازن البيئي ومسببة تدهوراً مستمراً في نوعية المياه. وقد أكدت تقارير التفتيش المركزي (تموز 2025) وجود آلاف التعديات الناتجة عن ضعف الإجراءات الإدارية والتنسيق بين الجهات الرسمية.

خسائر اقتصادية تتخطى العشرة مليارات دولار

يُجمع الخبراء على أن التعديات تحرم الخزينة من مئات ملايين الدولارات سنوياً بين رسوم إشغال مهدورة وتكاليف بيئية مضمّنة. فوفق دراسة “الشاطئ لكل الناس” (2022)، أدت الإشغالات غير القانونية إلى شلّ فرص تطوير الشواطئ العامة وإقصاء السياحة الداخلية.

وفي كانون الثاني 2025، صدر مرسوم بتسوية وضع منتجع “بالما” رغم اعتراضات قضائية حادّة، ما اعتبرته “المفكرة القانونية” تكريساً للتعدي المقونن.
أما حملات استرجاع الأملاك في نيسان 2025 فكشفت عن مراسيم سابقة منحت تراخيص لمساحات تصل إلى 140 ألف متر مربع في مناطق مثل رأس مسقا والقليلة، مسببة خسائر تقدّر بمئات ملايين الدولارات. ووفق تصريحات الدكتور أمين صالح لـ”لبنان ديبايت” (آب 2025)، فإن تنظيم هذا القطاع يمكن أن يدرّ بين 250 و500 مليون دولار سنوياً.

إدارة بالتحايل

تتحمل وزارة الأشغال العامة والنقل بقيادة الوزير فايز رسامني المسؤولية المباشرة عن إدارة الأملاك البحرية ومنح التراخيص. لكن التقارير تشير إلى استخدام “رخص الصيانة” كغطاء لتوسيع التعديات، كما وثّقت منصة “درج” (أيلول 2025)، ما يعكس انهيار منظومة الرقابة. أما الحكومات المتعاقبة فاختارت تغييب هذا المورد عن الموازنات العامة بين 2023 و2026، مكتفية برسوم إشغال رمزية لا تساوي كلفة الورق الذي تُطبع عليه.

وقد كرّرت موازنة 2026 المقترحة في أيلول الماضي الإعفاءات نفسها، ما يسبب خسائر محتملة تصل إلى ملياري دولار سنوياً وفق نقيب المحاسبين السابق عفيف شرارة. حتى رئاسة الجمهورية تورّطت في تمرير مراسيم التسوية دون أي ضغط لإصلاح ضريبي أو إداري، إذ سجّلت موازنة 2025 إيرادات صفرية من هذه الأملاك، في مشهد يجسّد تواطؤاً ممنهجاً بين السلطة السياسية والمستفيدين من التعديات.

مطامر على الشواطئ وبحر يلفظ سُمومه

لم يقتصر الفساد على العقارات، بل تعدّاه إلى البيئة نفسها. فبعد نزاعات الأعوام 2023-2024، تحوّلت الشواطئ اللبنانية إلى مكبّات نفايات ضخمة، وصل تلوثها إلى قبرص وتركيا واليونان وفق تقرير البنك الدولي (آذار 2025).

النتائج كانت كارثية: 17 مليون طن من الحطام لوّثت 425 هكتاراً من السواحل، مع خسائر بيئية تقدّر بـ615  مليون دولار واقتصادية بنحو 800 مليون دولار. ويحوي الحطام مواد خطرة مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة، فيما قدّر تقرير CEOBS (2025) وجود 8 ملايين طن من النفايات في الجنوب والنبطية، استخدم فيها الفوسفور الأبيض في 195 حادثة أحرقت نحو 5 كيلومترات مربعة.

وفي مدينة صور، أدت الحفر الملوثة إلى تهديد المياه الجوفية بأضرار تقارب 220 مليون دولار. أما تقرير The Ecologist الصادر في أيار 2025 فحذّر من إنتاج ما بين 50 و100 مليون طن من النفايات مقارنة بـ6 ملايين بعد حرب 2006، ما أبقى البحر المتوسط رهينة مطامر مثل كوستا برافا والجديدة. وأكدت UNOPS في تموز 2025 انبعاث غازات ضارة من الحرق، داعيةً إلى خطة وطنية للإدارة المتكاملة للنفايات.

الدولة شريك في الجريمة

ملف الأملاك البحرية مرآة فاضحة لنمط حكمٍ حوّل الملك العام إلى غنيمة خاصة. فالدولة، التي يُفترض أن تكون حامية للحقوق، أصبحت الوسيط القانوني للنهب المنظّم، تُشرّع التعدي بمراسيم التسوية وتغطي التلوث بالصمت الرسمي. فمن الشاطئ إلى النهر، ومن الوزارة إلى القصر، تتقاطع المصالح بين السلطة والمستثمرين على حساب الخزينة والمواطن والبيئة.

إن استمرار هذا النهج يعني أن لبنان يبيع مياهه وهو في العطش، ويؤجّر بحره وهو يغرق. ولن تبدأ الإصلاحات ما لم يُعلن بوضوح أن استعادة الأملاك العامة هي معركة سيادة بقدر ما هي معركة عدالة —  لأن من ينهب البحر لا يكتفي بالمال، بل يسرق مستقبل الوطن نفسه.

مقالات الكاتب

فراس بو حاطوم

ناشط مدني لبناني معروف بنشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي وبنشره منشورات تحقيقية وانتقادية تُعرّي ملفات فساد محلية.