مفوضية جاهزة، شارع متردد، ونخبة تتصارع… قراءة في معادلة انتخابات العراق 2025 (1/3)

في ثلاثاء الحادي عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يتجه العراق نحو استحقاق انتخابي برلماني يُعاد فيه رسم خريطة القوى السياسية وسط متغيرات محلية وإقليمية عميقة. ورغم تأكيدات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات جاهزيتها الفنية والأمنية، تُلقي سلسلة من التحديات بظلالها على المسار: من مقاطعة التيار الصدري الأكبر عددياً في الشارع الشيعي، إلى اغتيال أول مرشح في موسم الحملات، وصولاً إلى ضغوط العقوبات الأمريكية على شبكات تمويل فصائل مسلحة، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي يعيشها البلد منذ تشرين أول/أكتوبر 2019.

التقويم الانتخابي والإطار القانوني: عودة إلى التمثيل النسبي

فتحت الحملة الانتخابية أبوابها رسمياً في الثالث من أكتوبر الماضي، وتستمر حتى صباح الثامن من نوفمبر، قبل يوم التصويت الخاص المخصص للقوات الأمنية والعاملين الميدانيين. ويتنافس 7,768 مرشحاً ومرشحة على 329 مقعداً برلمانياً، ضمن 31 ائتلافاً و38 حزباً و75 قائمة مستقلة، في انتخابات تُجرى وفق نظام التمثيل النسبي بطريقة سانت ليغو المعدّلة، وبمعامل قسمة 1.7 على مستوى 18 دائرة انتخابية (محافظة) ، بعد تجربة 2021 التي اعتمدت الصوت الواحد غير القابل للتحويل ضمن دوائر صغيرة متعددة.

هذا التحول في النظام الانتخابي يُعيد الأفضلية للكتل والأحزاب الكبرى المنظمة، ويرفع عتبة التمثيل أمام المستقلين والأفراد الذين حققوا اختراقات نسبية في 2021 تحت مظلة “حراك تشرين”. فالانتقال من الدوائر المصغّرة التي سمحت بتمثيل محلي دقيق إلى دوائر على مستوى المحافظات يعني أن التنظيمات ذات القدرة على التعبئة الشاملة والتمويل الواسع ستكون الأوفر حظاً في تحصيل المقاعد، فيما تتضاءل فرص القوائم الصغيرة والوجوه المدنية المتفرقة.

من بين المقاعد الـ 329، تُخصص تسعة مقاعد للأقليات: خمسة للمسيحيين، ومقعد واحد لكل من الإيزيديين والشبك والصابئة المندائيين والفيليين، في محاولة لضمان تمثيل التنوع الديني والإثني الذي يشكل أحد مكونات الهوية العراقية المعقدة.

لوجستيات النزاهة: أوراق اقتراع بمعايير النقد وتحديث بيومتري مستمر

في ورش الطباعة خارج العراق، أُنتجت أكثر من 22 مليون ورقة اقتراع للناخبين العامين، ونحو مليون ونصف المليون ورقة للتصويت الخاص، وفق معايير أمنية صارمة تشمل علامات مائية مخفية، وأحباراً خاصة مضادة للنسخ، وتقنيات طباعية تُضاهي أوراق النقد، في محاولة لسد الباب أمام التزوير والتلاعب الذي شاب استحقاقات سابقة.

وتواصل المفوضية تحديث القيد الحيوي للناخبين البالغ عددهم أكثر من 21.4 مليون مسجل، بينهم أكثر من ثلاثة ملايين في إقليم كُردستان. وتشترط المفوضية حمل بطاقة الناخب الإلكترونية للمشاركة في الاقتراع، داخل البلاد وفي مراكز التصويت المخصصة للمغتربين، في خطوة تهدف إلى تقليل احتمالات الانتحال والتصويت المزدوج.

لكن الجاهزية اللوجستية لا تعني بالضرورة ثقة شعبية عالية. فالذاكرة الجمعية العراقية ما زالت محملة بصور الفساد الإداري والاتهامات المتبادلة بشأن تزوير نتائج انتخابات سابقة، وهو ما يفرض على المفوضية والأجهزة الرقابية عبئاً مضاعفاً في إثبات نزاهة العملية أمام رأي عام متشكك.

التدقيق والإقصاءات: 837 حالة استبعاد وجدل قانوني مستمر

لم يكن طريق الترشيح معبّداً للجميع. فقد استُبعد 837 مرشحاً ومرشحة لأسباب قانونية وإجرائية متنوعة، تشمل قرارات هيئة المساءلة والعدالة (قانون اجتثاث البعث سابقاً)، وأحكاماً قضائية بحق البعض، ونواقص مستندية، وحالات تزوير وثائق تعليمية. وقد أثارت بعض الاستبعادات جدلاً واسعاً، خاصة عندما ظلت صور بعض المستبعدين على الملصقات الانتخابية المطبوعة سلفاً، ما اعتُبر مؤشراً على ضعف التنسيق بين المفوضية والجهات الرقابية، أو دليلاً على التسرع في اعتماد القوائم الأولية.

وتشدد المفوضية على التزامها بضوابط الحملات الانتخابية والإنفاق، محذرة من استخدام موارد الدولة لصالح مرشحين بعينهم، وفارضة غرامات تصل إلى 25 مليون دينار على المخالفات، مع إمكانية الإقصاء من السباق في حالات محددة. إلا أن القدرة الفعلية على مراقبة آلاف الفعاليات الميدانية والإنفاق غير المعلن تبقى محل شك، في بلد تُدار فيه كثير من العمليات السياسية بشبكات غير رسمية وموارد موازية.

مقاطعة الصدر، فراغ في الشارع وإعادة حسابات في الإطار

يُعَدّ قرار السيد مقتدى الصدر مقاطعة الانتخابات، الذي أعلنه في يوليو/تموز 2025، أحد أبرز المتغيرات التي تعيد تشكيل المشهد الانتخابي العراقي. فالتيار الصدري بتسميته الحديثة (التيار الوطني الشيعي) ، الذي تصدّر نتائج 2021 بنحو 73 مقعداً قبل أن ينسحب من البرلمان في 2022 احتجاجاً على الجمود السياسي، كان يمثل أكبر قوة تعبوية منظمة في الساحة الشيعية، خاصة في مدينة الصدر ببغداد ومحافظات الجنوب.

غياب هذه “الماكينة” الانتخابية يُحدث فراغاً تنافسياً في معاقله التقليدية، ويفتح المجال أمام قوى الإطار التنسيقي لإعادة ترتيب صفوفها وحصد مقاعد كانت صدرية في دورات سابقة. لكن ذلك الفراغ يحمل أيضاً مخاطر: فقد يؤدي إلى انخفاض حاد في نسبة المشاركة في تلك المناطق، ما يضعف الشرعية الشعبية للبرلمان المقبل، أو يفتح الباب أمام احتجاجات لاحقة تطعن في تمثيليته.

التقديرات البحثية تصف هذا الاستحقاق بأنه “إعادة معايرة” للقوى أكثر من كونه قطيعة أو تحولاً جذرياً. فالنخب السياسية التقليدية ما زالت حاضرة بقوة، والإطار التنسيقي الذي يجمع أبرز الفصائل الشيعية المسلحة والأحزاب الإسلامية يدخل الانتخابات بتماسك أكبر مما كان عليه في 2021، حين عانى تحالف الفتح من تراجع ملحوظ.

خريطة القوى: إطار شيعي متماسك وتنافس سني ثلاثي وكُردي ثنائي

  • الكتل الشيعية: من الإطار إلى التحالفات المحلية

يتصدر الإطار التنسيقي المشهد الشيعي بمكوناته الرئيسية: دولة القانون بقيادة نوري المالكي، الذي يعوّل على ثقله التنظيمي وخبرته الحكومية لتعزيز مقاعده؛ منظمة بدر بقيادة هادي العامري، ذات الحضور القوي في ديالى والبصرة وواسط؛ وعصائب أهل الحق/صادقون بقيادة قيس الخزعلي، التي تسعى لتوسيع قاعدتها عبر تحالفات عشائرية محلية وترجمة النفوذ المؤسسي إلى مكاسب برلمانية.

إلى جانب هذه الكتل الكبرى، يخوض تيار الحكمة بقيادة عمار الحكيم السباق ضمن توجه إصلاحي-وسطي، مع محاولات استقطاب قطاعات شبابية ومدنية، بعد تجربة الشراكة مع تحالف النصر في 2021. كما تبرز تحالفات محلية ناشئة مثل “تصميم” بقيادة عامر الفايز، الذي يرتكز على البصرة والحوكمة المحلية، و”الأساس العراقي” المرتبط بعلي المنذري، نائب رئيس البرلمان الأول، والذي يراهن على جذب الشباب والمستقلين.

  • التحالفات السنية: ثلاثية التنافس على الأنبار ونينوى وصلاح الدين

على الجانب السني، يتوزع المشهد بين ثلاث تحالفات رئيسية: تقدُّم بقيادة محمد الحلبوسي، رئيس مجلس النواب السابق ، الذي يتمتع بقاعدة حضرية قوية في الأنبار ويتمدد نحو بغداد وصلاح الدين، مركزاً على فاعلية الحوكمة ومشاريع التنمية؛ السيادة بقيادة خميس الخنجر، صاحب النفوذ الراسخ في الأنبار وصلاح الدين، والذي يركز على تمثيل الحقوق السنية ضمن إطار وطني توافقي؛ والعزم بقيادة مثنى السامرائي، ذو الحضور المحلي في صلاح الدين وأجزاء من نينوى، والذي يتموضع كقوة تفاوضية مرنة داخل البرلمان المقبل.

كما يشارك تحالف حزم/الحسم الوطني، الذي يضم خمسة أحزاب بينها الحل والوفاء، وينتشر في الأنبار ونينوى وصلاح الدين، راهناً على الشبكات القبلية والإدارة المحلية لحصد المقاعد.

  • الساحة الكُردية: ثنائية قطبية تقليدية

في إقليم كردستان، يستمر التنافس بين القطبين التقليديين: الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني، الذي يركز على تعظيم المكاسب التفاوضية في بغداد بالتوازي مع إدارة الملفات الخدمية في الإقليم؛ والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة بافل طالباني، القطب الثاني في السليمانية وحلبجة وكركوك. ويخوض الطرفان سباقاً على تمثيل كُردي متوازن ضمن معادلة ما بعد الاقتراع، مع مشاركة قوى كُردية أخرى وأطر محلية ومستقلين.

هل تؤدّي العقوبات الأميركية واغتيال المشهداني إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية في العراق؟ التفاصيل في الجزء الثاني ما قبل الأخير. 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.