كيف تُمارس الضغوط على الصحفيين في المؤتمرات الصحفية؟

تُعدّ المؤتمرات الصحفية واحدة من أهم المساحات التي يُفترض أن تُمارَس فيها الصحافة بحرية ومسؤولية، غير أنها في الواقع كثيرًا ما تتحول إلى ساحة اختبار حقيقية لقدرة الصحفي على الموازنة بين جرأة السؤال وضغوط المتحدث. فالصحفي لا يواجه فقط عامل الوقت أو ضرورة صياغة سؤال دقيق، بل يجد نفسه أحيانًا تحت وطأة اعتبارات أخرى، تتعلق بهويته أو بوسيلته الإعلامية.

وقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في العديد من المؤتمرات الدولية، خاصة تلك التي كان يعقدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث اتسمت بعض ردوده بالحدة، وميّزت بين الصحفيين، بل وصلت أحيانًا إلى حد السخرية أو توجيه الاتهامات للمؤسسات الإعلامية نفسها. مثل هذه السلوكيات تعكس جانبًا من الضغوط التي قد يتعرض لها الصحفي، ليس بسبب مضمون السؤال فقط، بل بسبب الجهة التي يمثلها.

ولا تقف هذه الضغوط عند حدود الاختلاف المهني، بل تمتد أحيانًا إلى اعتبارات سياسية أو قومية. ففي إحدى الوقائع، رفض مسؤول سوري الإجابة عن سؤال لمراسل قناة إسرائيلية، ما أثار اتهامات بالتمييز. غير أن الحكم على مثل هذه الحالات يتطلب فهمًا أعمق للسياق السياسي، خاصة في ظل صراعات قائمة، حيث تختلط المهنية بالاعتبارات الوطنية.

من خلال تجربتي الشخصية، واجهت هذه الضغوط في أكثر من مناسبة، وهو ما يعكس تعقيد العمل الصحفي في البيئات السياسية الحساسة. ففي مؤتمر لإيباك في واشنطن عام 1990، مُنعت من الدخول لتغطية خطاب وزير الدفاع الأميركي آنذاك ديك تشيني، بسبب جنسيتي، قبل أن يُعاد النظر في القرار إثر تدخل زملاء من مؤسسات إعلامية دولية. كانت تلك الواقعة مؤشرًا واضحًا على أن الصحفي قد يُقيَّم أحيانًا بهويته لا بمهنته.

وفي مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رفض وزير إسرائيلي الإجابة عن سؤالي بعد أن علم أنني فلسطيني. لم يكن السؤال هو المشكلة، بل هوية السائل. أما في عمّان، وخلال مؤتمر اقتصادي، فقد طرحت سؤالًا على شمعون بيريز حول تعويض الفلسطينيين، أسوة بتعويضات تتلقاها إسرائيل من ألمانيا بسبب ما تعرض له اليهود أثناء الحقبة النازية وهو سؤال حاد بطبيعته، لكنه مشروع مهنيًا، وقد وضع المسؤول أمام اختبار مباشر.

وفي موقف آخر، اضطررت إلى إعادة صياغة سؤال وجهته إلى عمرو موسى رئيس الجامعة العربية آنذاك، بعد أن أشار إلى عدم وضوحه، ما يبرز أهمية دقة الصياغة وسرعة البديهة في العمل الصحفي.

أما التجربة الأكثر قسوة، فكانت خلال اعتقالي في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، حين وُجهت إليّ تهم بالتحريض أمام محكمة عسكرية. دافعت عن نفسي بالاستناد إلى مصادر منشورة في صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في موقف يعكس جوهر العمل الصحفي القائم على توثيق الحقيقة. والمفارقة أن أحد الجنود الذين رافقوني حضر جلسة المحكمة وأبدى تعاطفًا إنسانيًا بتمنياته لي بالعودة إلى أسرتي، لأكتشف لاحقًا أنه صحفي في الأصل، في دلالة عميقة على أن الانتماء المهني قد يتجاوز الانقسامات السياسية.

وفي المقابل، لا تخلو بعض التجارب من نماذج إيجابية في التعامل مع الصحافة. ففي مؤتمر صحفي بعمان، أجاب الملك الراحل الحسين بن طلال على سؤال خارج سياق المؤتمر بهدوء واحترام، مؤكدًا أن سعة الصدر جزء أساسي من المسؤولية السياسية.

إن هذه التجارب مجتمعة تكشف أن المؤتمرات الصحفية ليست مجرد منصات لطرح الأسئلة، بل فضاءات تتقاطع فيها المهنية مع السياسة، والجرأة مع الحكمة. فالصحفي الناجح هو من يُحسن اختيار نوع السؤال—سواء كان مفتوحًا أو حادًا أو محددًا—ويُدرك توقيت طرحه، دون أن يتخلى عن مسؤوليته في البحث عن الحقيقة.

في نهاية المطاف، يبقى الإعداد الجيد، وتجنب الاستفزاز غير المهني، وتطوير المعرفة، وبناء شبكة علاقات قوية، من أهم الأدوات التي تمكّن الصحفي من مواجهة الضغوط. فالمعادلة الدقيقة في العمل الصحفي لا تقوم فقط على طرح السؤال، بل على كيفية طرحه، وفي أي سياق، وبأي قدر من الوعي والمسؤولية.

مقالات الكاتب

جودت مناع

كاتب صحفي فلسطيني، محاضر ومدرب الإعلام في عدد من الجامعات الفلسطينية والدولية، تخرج من المعهد الدولي للصحافة في برلين قبل أن ينهي الدراسات العليا في جامعة ليدز ترينيتي في بريطانيا. عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين والاتحاد الدولي للصحفيين. مؤسس بيت الذاكرة الفلسطيني - شبكة متاحف القدس. حاز على عدد من الجوائز منها جائزة جاك هجينز ويوركشير تلفيجين في بريطانيا وأخرى من نقابة الصحفيين الفلسطينيين
عمل أيضاً نائب رئيس تحرير في صحيفة فلسطين - رام الله، بي بي سي - لندن، وام بي سي - لندن، كما في وكالة الصحافة الفرنسية في فلسطين.