بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين إسرائيل ولبنان، تدخل المنطقة اليوم مرحلة حساسة مع انطلاق جولة مفاوضات يُنظر إليها بوصفها اختبارًا جديًا لإمكانية كبح الانفجار المفتوح. وبين مواقف متشددة على الجانبين، تبدو طاولة الحوار أقرب إلى ساحة توازنات دقيقة منها إلى مسار حل سريع.
يتمحور الطرح اللبناني حول وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية، باعتبارهما شرطين أساسيين لأي تهدئة قابلة للاستمرار. في المقابل، يذهب الطرح الإسرائيلي إلى مطالب أوسع وأكثر تعقيدًا، تتصل ببنية القوة داخل لبنان، من سلاح حزب الله إلى ترتيبات سياسية داخلية، وهو ما يرفع سقف الخلاف ويزيد من صعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة في وقت قصير.
أمام هذا المشهد، يمكن رسم مسارين محتملين لما قد تؤول إليه الأمور:
أولًا: في حال فشل الجولة الأولى
إذا انتهت المفاوضات دون أي تقدم يُذكر، فإن لبنان سيدخل مرحلة أكثر خطورة من التصعيد غير المنضبط. فغياب التفاهم لا يعني فقط استمرار التوتر، بل قد يفتح الباب أمام توسّع العمليات العسكرية، وتراجع قدرة الدولة على ضبط الإيقاع الأمني والسياسي.
في هذا السيناريو، يصبح البلد أمام ضغط مزدوج: ضغط ميداني على الحدود، وضغط داخلي اقتصادي وسياسي متزايد، ما يضع المؤسسات أمام اختبار صعب للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. ومع الوقت، قد يتحوّل الجمود إلى استنزاف طويل الأمد ينعكس على الحياة اليومية والقدرة على إدارة الدولة.
ثانيًا: في حال ظهور بوادر أمل ولو محدودة
حتى لو لم تحقق المفاوضات اختراقًا كبيرًا، فإن مجرد استمرار الحوار أو الاتفاق على نقاط جزئية يمكن أن يشكّل نافذة لتخفيف التوتر. في مثل هذه الحالة، لا يكون الحل شاملًا، لكنه يفتح مسار “إدارة أزمة” بدلًا من “انفجار أزمة”.
هذا النوع من التقدم البطيء قد ينعكس على الأرض عبر خفض نسبي للتصعيد، أو تثبيت خطوط اشتباك غير معلنة، ما يمنح لبنان فرصة لالتقاط الأنفاس داخليًا، وإعادة ترتيب أولوياته السياسية والاقتصادية. لكنه يبقى مسارًا هشًا، يعتمد على مدى التزام الأطراف، وعلى قدرة الوسطاء على منع الانزلاق مجددًا.
بين الاحتمالين
لبنان اليوم يقف في منطقة رمادية دقيقة: لا حرب شاملة محسومة، ولا سلام واضح المعالم. وما سيجري في الساعات والأيام المقبلة لن يحدد فقط نتائج مفاوضات، بل قد يرسم اتجاه المرحلة القادمة: إما نحو استنزاف طويل ومفتوح، أو نحو تهدئة تدريجية تُبنى خطوة خطوة.
في كل الأحوال، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على تحويل لغة الشروط القصوى إلى لغة الممكن، لأن الفجوة بين المواقف، إذا بقيت على حالها، ستجعل أي مفاوضات بداية لإدارة أزمة لا نهايتها.

يوسف حسين
موظف في مجال الإدارة وحائز على اختصاص تنظيم الإدارة. متمسّك بجذور الوطن وقيمه. من هواياته الكتابة والزراعة، حيث يجد فيهما شغفه وراحته.
