تداعيات حرب إيران الاقتصادية: الشحن والطاقة أكثر القطاعات تضررًا

بدأت التداعيات الاقتصادية للضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران تتبلور تدريجيًا. فقد أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية ومسؤولون كبار في الحرس الثوري في وقت متأخر من مساء الاثنين أن مضيق هرمز “أُغلق”، وهددوا باستهداف أي سفينة تحاول عبور هذا الممر البحري. غير أنه حتى قبل الإعلان الرسمي عن الإغلاق، كانت تقارير قد أشارت إلى أن المضيق قد أُغلق بالفعل أمام حركة الملاحة التجارية. لكن هذه التقارير لم تكن دقيقة بالمعنى الحرفي للكلمة. فما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع كان في جوهره إجراءً تنظيمياً وإجرائياً، وإن لم يكن أقل أهمية من حيث النتائج.

فمع بدء الضربات العسكرية وإعادة شركات التأمين تقييم مستويات المخاطر، أوقفت مختلف شركات النقل البحري – بما في ذلك خطوط الحاويات، ومشغلو ناقلات النفط، وناقلات الغاز الطبيعي المسال، وسفن البضائع السائبة – عملياتها مؤقتًا في انتظار توجيهات محدثة. وقد أكدت بيانات تتبع السفن تباطؤ الحركة بشكل واضح. فالسفن لم تكن محجوزة فعليًا بقدر ما كانت تنتظر لمعرفة ما سيحدث لاحقًا.

وقد لعب التأمين البحري دورًا محوريًا في هذه القرارات. فبعد بدء الهجمات، صُنّفت منطقة الخليج على أنها منطقة “مخاطر حرب قصوى” من قبل مؤسسة “لويدز أوف لندن” وعدد من أندية الحماية والتعويض (P&I Clubs). وعلى إثر ذلك، سحب مكتتبو التأمين تغطياتهم مؤقتًا، أو أعادوا تصنيف الرحلات البحرية ضمن بنود خاصة بمخاطر الحرب، أو فرضوا زيادات حادة على أقساط التأمين. وقبل دخول مضيق هرمز، بات على مالكي السفن التأكد مما إذا كانت تغطية مخاطر الحرب ما تزال سارية – وبأي تكلفة.

كانت هذه العملية تستغرق وقتًا طويلاً. فقد تغيّرت أسعار التأمين خلال عطلة نهاية الأسبوع، واضطرت شركات النقل البحري إلى إعادة تقييم الجدوى الاقتصادية للرحلات ومستوى المخاطر التي قد يتعرض لها الطاقم قبل السماح بعبور المضيق. وعمليًا، قامت السفن التي كانت تقترب من المضيق بتقليل سرعتها أو الإرساء قبالة السواحل أو الانتظار خارج الخليج إلى حين الحصول على الموافقة. بالنسبة لشركات الشحن، فإن التكاليف مرتفعة للغاية. فالتأمين على ناقلة نفط عملاقة من فئة VLCC بقيمة 100 مليون دولار لرحلة ذهاب وإياب عبر المضيق يكلف عادة نحو 250 ألف دولار. أما في ظل تصنيف “مخاطر الحرب الخاصة” الحالي، فقد يرتفع هذا الرقم إلى 375 ألف دولار.

وقد أقرت شركات النقل الكبرى علنًا بأنها تعيد تقييم الوضع. فقد أعلنت شركة Maersk أنها “تراقب التطورات عن كثب” وستعدل جداول الإبحار وفقًا للتوجيهات الأمنية والتأمينية. كما أعلنت Hapag-Lloyd إجراء تعديلات مؤقتة على المسارات وفرض رسوم طارئة لتعويض ارتفاع المخاطر. أما CMA CGM، فأكدت أنها ستراجع عمليات الرسو في موانئ المنطقة وستطبق خططًا بديلة تبعًا للتطورات. في حين أشارت MSC إلى أنها ستقيّم الوضع بالتنسيق مع مستشاري الأمن البحري وشركات التأمين قبل تأكيد عبور سفنها الخليج. وعمليًا، قامت الشركات الكبرى بإعادة توجيه خطوط الشحن بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا عبر رأس الرجاء الصالح.

هذا التحويل يضيف نحو 10 إلى 14 يومًا إلى زمن الرحلة الواحدة، ويزيد تكاليف الوقود بعشرات ملايين الدولارات. وقد ارتفعت بالفعل أسعار الشحن الفوري على خطوط مثل شنغهاي – الإمارات بنحو 5% وفق بيانات شركة Xeneta. كما بدأت الاختناقات في الموانئ بالتراكم. إذ إن الازدحام في البحر الأحمر المرتبط بهجمات الحوثيين كان قد أجبر السفن بالفعل على تغيير مساراتها، والآن بدأت نقاط اختناق جديدة تظهر حول جنوب أفريقيا مع تجمع السفن على الطرق الأطول. وإذا استمر انعدام الأمان في الشحن عبر الخليج لبضعة أسابيع، فإن حركة الحاويات العالمية ستتباطأ، مما يفاقم اختناقات سلاسل التوريد.

وفي الواقع، نجحت أسواق التأمين في تحقيق ما تعد به الأسلحة العسكرية بدءًا من يوم الثلاثاء: أي تقييد حركة المرور مؤقتًا دون فرض حصار مادي فعلي. فقد بقي مضيق هرمز مفتوحًا من الناحية التقنية، لكن الوصول التجاري إليه أصبح مشروطًا بالحصول على تغطية تأمينية لمخاطر الحرب وبأقساط أعلى بكثير. وبعد إعلان 2 مارس بشأن فرض حصار على المضيق، أصدرت شركات التأمين البحرية الكبرى ضمن المجموعة الدولية لأندية الحماية والتعويض إشعارات بإلغاء تغطية مخاطر الحرب في المياه الإيرانية والخليج والمناطق المجاورة ومضيق هرمز. وقد عكس هذا القرار ليس فقط حجم المخاطر، بل أيضًا حالة عدم اليقين العميقة، حيث لم تعد شركات التأمين مستعدة حتى لتسعير المخاطر المحتملة في بيئة صراع تتصاعد بسرعة.

ولا يتوقف العبء المالي عند مالكي السفن. فارتفاع أقساط التأمين ينعكس مباشرة على أسعار الشحن، التي تُنقل بدورها إلى المستوردين والمصدرين ثم إلى المستهلكين في النهاية. ويتوقع مسؤولون في القطاع أن ترتفع تكاليف الشحن الفوري وتكاليف استئجار السفن بشكل كبير مع تجنب الشركات دخول الخليج أو مطالبتها بتعويضات إضافية مقابل المخاطر.

كما تمتد آثار الأزمة إلى القطاع المالي. فالشركات متعددة الجنسيات تعيد النظر في شروط الائتمان. وأصبحت خطابات الاعتماد تتطلب هوامش ضمان أعلى. كما بدأ تجار السلع الأولية بتفعيل بنود الحرب والقوة القاهرة. وتعيد البنوك التي لديها انكشاف مالي في الخليج تقييم أوزان المخاطر. أما تمويل المشاريع – وخاصة مشاريع الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات في المنطقة – فيواجه إعادة تسعير أو تأخير.

إن اضطرابات الشحن وحدها تمثل صدمة كبيرة للتجارة العالمية، لكنها ليست سوى بعد واحد من الأزمة. فالمصدر الأكبر للقلق هو أسواق الطاقة. فقد ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد رغم اتفاق تحالف “أوبك+” على زيادة الإنتاج بمقدار 206 آلاف برميل يوميًا ابتداءً من نيسان/أبريل.

لكن الوضع مختلف بالنسبة للعمليات التكريرية (Downstream). فقد أفادت تقارير بأن شركة “أرامكو” السعودية أوقفت تشغيل مصفاة رأس تنورة الواقعة على الساحل الشرقي والتي كانت تنتج نحو 550 ألف برميل يوميًا قبل أن تصيبها طائرة مسيّرة إيرانية. وحتى إذا استمر الإنتاج الأولي في الاستقرار، فإن تعطّل المصافي وعدم اليقين في الصادرات يؤديان إلى تشديد العرض الفعلي وتعزيز توقعات ارتفاع الأسعار. (كما أصابت شظايا طائرات مسيّرة تم اعتراضها مصفاة ميناء الأحمدي في الكويت، رغم استمرار العمليات. وفي البحر قبالة إسرائيل، تم إغلاق حقل الغاز العملاق ليفياثان الذي تديره شركة Chevron يوم السبت، وفق مصادر).

كذلك، قد تفاقم اضطرابات النقل هذه الضغوط. إذ تظهر بيانات شركة Kpler أن ما لا يقل عن أربع ناقلات نفط عملاقة غيرت مسارها بعيدًا عن مناطق التحميل في الخليج أو توقفت قبل دخول مضيق هرمز. وتحمل هذه السفن معًا نحو 1.1 مليون طن متري من النفط الخام (حوالي 8 ملايين برميل) كان من المقرر تحميلها أوائل آذار/مارس. كما وردت تقارير عن تشويش في أنظمة تحديد المواقع GPS وانتحال إشارات نظام التعريف الآلي للسفن AIS، ما يجعل مواقع السفن تظهر في أماكن خاطئة. وهذا إنما يضعف الثقة في الملاحة بالأقمار الصناعية ويدفع البحارة للاعتماد على أنظمة احتياطية وتوخي الحذر الشديد، وهو ما يضيف أيضًا علاوة مخاطر إلى الأسعار.

يطال ارتفاع أسعار النفط جميع الأسواق بلا استثناء، لكن آسيا هي الأكثر تأثرًا. فوفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن 84% من شحنات النفط الخام والمكثفات التي عبرت مضيق هرمز في عام 2024 كانت متجهة إلى آسيا، كما أن 83% من شحنات الغاز الطبيعي المسال تتجه شرقًا. وقد استحوذت الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعة على 69% من تدفقات النفط عبر المضيق العام الماضي.

إن التركيز المتزايد على الاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة يعكس حجم عدم اليقين بشأن استمرار تدفق الطاقة دون عوائق. فالحكومات والمصافي في آسيا تراجع المخزونات وتبحث عن بدائل تحسبًا لتحول عدم الاستقرار إلى مخاطر في الإمدادات وتقلبات في الأسعار.

وقد تكون أسواق الغاز الطبيعي المسال أكثر هشاشة. فكل من قطر وإيران تمثلان نحو 20% من الإمدادات العالمية، وتصدر قطر أكثر من 80% من غازها إلى آسيا. هكذا، قد يهز أي اضطراب طويل الأسواق الآسيوية ويمتد تأثيره إلى أوروبا. كما أن إعادة توجيه سلاسل إمداد الغاز حول مضيق هرمز ليست عملية سهلة أو سريعة.

أما أوروبا، فهي معرضة أيضًا للمخاطر. إذ يستورد الاتحاد الأوروبي نحو 30 إلى 40% من نفطه من الشرق الأوسط، كما أن الغاز القطري عنصر أساسي في استراتيجية تنويع مصادر الطاقة. وقد أدت الضربات الأخيرة إلى إغلاق احترازي لبعض منشآت تصدير الغاز في قطر، ما تسبب في انخفاض مفاجئ في الإمدادات وارتفاع عقود الغاز الأوروبية الآجلة بأكثر من 50%.

وقد تواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ضغوطًا جديدة في التكاليف. فالغاز الطبيعي هو المادة الأساسية لإنتاج الأمونيا التي تقوم عليها الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا ونترات الأمونيوم. وتشكل تكاليف الغاز نحو 70 إلى 80% من تكاليف الإنتاج المتغيرة لهذه الصناعة. ويعني ذلك أن هناك خطرًا على إمدادات الأسمدة وقرارات الإنتاج، خاصة أن نحو ثلث صادرات الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز.

وتقوم شركات كبرى في السعودية والكويت وقطر والإمارات بتصدير البوتاس واليوريا والأسمدة النيتروجينية إلى أسواق مثل الهند والبرازيل وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا. وأي تأخير في هذه الشحنات قد يؤثر على مواسم الزراعة وأسعار الغذاء عالميًا.

ثم لا تقتصر آثار الأزمة على الطاقة والأسمدة. فالأزمة الحالية في الخليج تعيد رسم جغرافيا التجارة العالمية. إذ تواجه سلاسل التوريد الصناعية طبقة جديدة من الاضطرابات نتيجة ارتفاع أقساط مخاطر الحرب وإعادة توجيه السفن بعيدًا عن المضيق.

وقد دفعت اضطرابات الشرق الأوسط في عام 2025 شركات الشحن إلى الابتعاد عن قناة السويس والإبحار عبر رأس الرجاء الصالح، ما أضاف 10 إلى 14 يومًا إلى زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا. ووفق بيانات PortWatch التابعة لصندوق النقد الدولي، انخفضت حركة المرور في قناة السويس بنحو 40 إلى 50% خلال ذروة الاضطرابات في عام 2024.

النتائج الأبعد قد تكون هيكلية هي الأخرى. فمضيق هرمز يوضح كيف يمكن لأسواق التأمين وارتفاع إدراك المخاطر والتصعيد الجيوسياسي أن تفرض إغلاقًا فعليًا غير معلن على أحد أهم شرايين التجارة في العالم، حتى قبل الإعلان عن حصار رسمي.

الأزمة، والحال كذلك، ليست مجرد أزمة نفط؛ بل هي أزمة تسعير للمخاطر، ومدى السرعة التي يمكن بها لهذه المخاطر أن تعيد تشكيل طرق التجارة العالمية، وتوزيع رأس المال، والاستقرار الاقتصادي على مستوى العالم.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / أنتونيا كوليباسانـو

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.