إنكار الصدمة الجماعية: ماذا يكشف الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية؟

في خضم الحرب التي يعيشها لبنان، يبدو النقاش حول الامتحانات الرسمية وكأنه نقاش تربوي بحت. لكن عند التعمق في الواقع النفسي الذي يعيشه الطلاب والأهالي والمعلمون، يصبح السؤال أبعد من مجرد استحقاق أكاديمي، ليطال فهمنا للصدمة الجماعية وكيفية التعامل معها.

إذا افترضنا حسن النية بالكامل، وإذا افترضنا أن الهدف من الإصرار على إجراء الامتحانات الرسمية هو الحفاظ على ما تبقى من انتظام في الحياة العامة ومنع انهيار المؤسسات التربوية، فإن ذلك لا يمنع من طرح تساؤل نفسي مشروع: ماذا يكشف هذا الإصرار في ظل واقع استثنائي يعيشه المجتمع بأكمله؟

في علم النفس، يُعتبر الإنكار إحدى آليات الدفاع التي يلجأ إليها الإنسان عندما يكون الواقع مؤلماً أو مهدداً إلى درجة يصعب استيعابه. والإنكار لا يعني بالضرورة تجاهل الحقيقة بشكل كامل، بل قد يظهر أحياناً على شكل التقليل من تأثيرها أو التصرف وكأنها لا تستدعي تعديلاً جوهرياً في الخطط والقرارات.

منذ أشهر، يعيش آلاف الطلاب في ظروف بعيدة كل البعد عن أي بيئة تعليمية طبيعية. بعضهم فقد منزله، وبعضهم نزح من منطقته، وآخرون يعيشون في مراكز إيواء أو في منازل مكتظة مع عائلات أخرى. هناك طلاب لا يملكون مساحة خاصة للدراسة، وطلاب تفرقت كتبهم ومستلزماتهم بين أماكن النزوح، وطلاب لم يعيشوا منذ فترة طويلة يوماً عادياً يمكن وصفه بأنه مستقراً نفسياً.

حتى أولئك الذين ما زالوا يقيمون في مناطق أكثر أماناً، فهم ليسوا خارج دائرة الصدمة. إنهم يستيقظون على الأخبار العاجلة، ويتابعون صور الدمار والمجازر عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، ويسمعون أصوات الغارات والانفجارات، ويعيشون حالة مستمرة من الترقب والخوف وعدم اليقين.

في مثل هذه الظروف، لا يمكن الحديث عن الطلاب وكأنهم يعيشون تجربة مدرسية عادية. فالدراسات النفسية المتعلقة بالحروب والكوارث تشير بوضوح إلى أن التعرض المزمن للتهديد يؤثر على التركيز والذاكرة والانتباه والقدرة على التعلم واتخاذ القرار. الدماغ الذي يعيش في حالة استنفار مستمر يوجه جزءاً كبيراً من طاقته نحو البقاء والتأهب، لا نحو التحصيل الأكاديمي.

من هنا، يصبح السؤال الأساسي: هل ما زالت الامتحانات الرسمية في هذه الظروف تقيس المعرفة والكفاءة الأكاديمية فعلاً؟ أم أنها أصبحت تقيس قدرة الطالب على تحمل الصدمة والضغط النفسي أكثر مما تقيس مستوى تعلمه؟

قد يرى البعض أن الإصرار على إجراء الامتحانات يمثل رسالة صمود في وجه الحرب. لكن الصمود الحقيقي لا يعني التعامل مع الواقع وكأنه لم يتغير. الصمود هو القدرة على التكيف مع الواقع المتغير واتخاذ القرارات التي تحمي الإنسان وسط الأزمة، لا القرارات التي تفترض أن الظروف ما زالت طبيعية.

وربما هنا تحديداً يبرز مفهوم إنكار الصدمة الجماعية. فالمسألة لا تتعلق بإنكار وجود الحرب، إذ لا أحد ينكرها. بل تتعلق بالتقليل من أثرها النفسي العميق على المجتمع، وكأن ملايين التجارب الفردية من الخوف والفقدان والنزوح والقلق يمكن وضعها بين قوسين مؤقتاً ريثما ينتهي الاستحقاق الأكاديمي.

ومن العوامل النفسية التي قد تساهم في استمرار التمسك بالموقف، طبيعة البيئة المحيطة بصاحب القرار. ففي علم النفس التنظيمي، نتحدث أحياناً عن ظاهرة تُعرف بـ”غرفة الصدى”، حيث يصبح الإنسان محاطاً بأشخاص يؤكدون له باستمرار صحة قراراته ويعيدون تفسير الوقائع بما يدعم قناعته الأساسية. وفي مثل هذه الحالات، قد لا يُنظر إلى الانتقادات المتزايدة والاعتراضات الواسعة على أنها إشارات تستدعي إعادة التفكير، بل كدليل إضافي على صحة القرار.

وقد يسمع صاحب القرار عبارات من قبيل: “لو لم يكن قرارك صحيحاً لما أثار كل هذا الجدل”، أو “كل قرار شجاع يواجه الرفض في البداية”، أو “الهجوم عليك دليل على أنك تقوم بما يجب القيام به”. ومع الوقت، قد تتحول المعارضة نفسها إلى عنصر يعزز القناعة بدلاً من أن يدفع إلى مراجعتها. وهنا يصبح الإنسان أكثر تمسكاً بموقفه كلما ارتفعت الأصوات المعترضة عليه، لا لأن الوقائع أصبحت أكثر إقناعاً، بل لأن المحيط النفسي يعيد تفسير هذه الوقائع بطريقة تؤكد القرار الأصلي.

وقد يكون من المفيد هنا أن نتوقف عند أسئلة مختلفة قليلاً. ماذا لو تخيلت الجهة المسؤولة، للحظة واحدة فقط، السيناريو الأسوأ؟ ماذا لو جاء يوم الامتحانات، ووقع حادث أمني أدى إلى سقوط ضحايا من الطلاب أو المعلمين أو العاملين في المراكز؟ كيف يمكن لإنسان أن يحمل هذا العبء النفسي والأخلاقي بقية حياته؟

قد يكون احتمال حدوث ذلك ضعيفاً. لكن إدارة الأزمات لا تقوم فقط على حساب احتمال الخطر، بل أيضاً على تقدير حجم الخسارة إذا وقعت. فكلما كانت الخسارة غير قابلة للتعويض، كلما ازدادت الحاجة إلى الحذر.

وما يزيد من القلق أن الحديث عن الإجراءات الوقائية يصطدم بواقع معروف للجميع. فنحن نتحدث عن بلد لا تملك غالبية مدارسه ملاجئ مجهزة، ولا تتوفر فيه بنية حماية متكاملة. وحتى في الظروف الطبيعية، تحتاج خطط الإخلاء إلى تدريبات متكررة داخل المدرسة نفسها ليعتاد الطلاب على الممرات والمخارج وآليات الاستجابة. فكيف يمكن الاطمئنان إلى قدرة طالب على التعامل مع حالة طارئة داخل مركز امتحان لا يعرفه، ولا يعرف مداخله ومخارجه، ولا الأشخاص الموجودين فيه؟

في علم النفس، لا تُقاس الحكمة بمدى التمسك بالقرار، بل بمدى القدرة على مراجعته عندما تتغير المعطيات. فالمرونة النفسية ليست ضعفاً، والتراجع عن قرار في ضوء واقع جديد ليس هزيمة. بل على العكس، قد يكون أحياناً التعبير الأوضح عن النضج والمسؤولية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمات هو أن يتحول الحفاظ على النظام إلى هدف بحد ذاته، فننسى الإنسان الذي وُجدت المؤسسات لخدمته. فالتربية ليست حماية الامتحان فقط، وليست حماية الشهادة فقط، بل هي قبل كل شيء حماية الإنسان الذي يحمل هذه الشهادة.

وفي زمن الحرب، ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: كيف نحافظ على الامتحانات الرسمية؟ بل: هل نعترف حقاً بحجم الصدمة الجماعية التي يعيشها طلابنا، أم أننا نحاول المضي قدماً وكأنها لم تحدث؟ فالشجاعة الحقيقية لا تكمن دائماً في التمسك بالقرار، بل أحياناً في القدرة على التوقف، وإعادة النظر، والإصغاء إلى ما يقوله الواقع قبل أن يفرض نفسه علينا بطريقة أكثر قسوة.

وكما يقول كارل يونغ: “ما ننكره في داخلنا يظهر لنا في الخارج على هيئة قدر”. ولعل أخطر ما في الصدمات الجماعية ليس وقوعها، بل إقناع أنفسنا بأن آثارها لا تستحق أن تؤخذ في الحسبان.

مقالات الكاتب

نانسي القاروط

معالجة نفسية ورئيسة قسم علم النفس التربوي في مركز «نفسانيون».