لبنان على حافة العاصفة… خرائط الدم والتفاوض المعلّق

 

في خضمّ التحولات العاصفة التي تهزّ الإقليم، يعود لبنان إلى الواجهة كرقعة هشّة على خارطة الدم الممتدة من المتوسط إلى الفرات. البلد الصغير الذي نجا من الحرب الكبرى بالرمق الأخير، يجد نفسه اليوم أمام سؤال الوجود ذاته: هل يعود شبح الحرب ليعبث بما تبقّى من الدولة، أم تنجح الدبلوماسية في تأجيل الانفجار إلى أجلٍ آخر؟

لقد تحوّل المشهد اللبناني إلى مرآة تعكس عجز النظام الدولي عن إنتاج توازنٍ حقيقي، فكلّ الأطراف تتحدث باسم «السيادة» بينما تُدار الملفات على الطاولة الأميركية – الإسرائيلية، وكأن بيروت مجرد بندٍ في مفاوضات تخص الآخرين. تصريحات المبعوث الأميركي الأخيرة، التي وصفت لبنان بأنه “دولة فاشلة”، ليست سوى تمهيد سياسي لإعادة رسم خطوط الصراع. فكلما أراد الغرب تحريك الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة، أعاد فتح ملف لبنان وسلاح «حزب الله»، في لعبة متكررة بين الضغط والتهدئة، بين التهديد بالتدمير والحديث عن السلام.

إسرائيل من جانبها تُكثّف خطابها العدواني، تُصعّد اللفظ وتُرسل رسائل النار إلى الداخل اللبناني، متذرعةً بأن الحزب بدأ يستعيد قدراته ويُهرّب السلاح من سوريا. بينما تحاول واشنطن دفع الحكومة اللبنانية نحو مسار “التفاوض المشروط”، وكأنها تفاوض دولة تحت الوصاية لا دولة ذات سيادة.

في المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية مترددة بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الدخول في مفاوضات تُنزع فيها ورقة القوة الوحيدة المتبقية – سلاح المقاومة – وإما انتظار عدوان جديد قد يُفكك ما تبقّى من توازن هشّ في الداخل. الرئيس جوزيف عون رفع صوته مؤخرًا دفاعًا عن دور الجيش باعتباره الجهة الوحيدة المخوّلة بالردّ، في رسالة تحمل في طيّاتها رغبة الدولة في استعادة القرار العسكري، لكنها تصطدم بواقع الانقسام الداخلي، حيث يُختصر الوطن في الطوائف، والمقاومة في حزب، والسيادة في شعار يتردّد بلا مضمون.

التحركات المصرية الأخيرة نحو بيروت، وما سبقها من زيارات أمنية، تُشير إلى محاولة عربية لإنقاذ لبنان من الانزلاق الكامل إلى الفوضى، لكنها تصطدم أيضًا بجدار الإرادات الدولية المتشابكة. فالقاهرة تُدرك أن سقوط لبنان في أتون الفوضى سيكون امتدادًا لانهيار المشرق كله، من سوريا إلى العراق، وأن أي حرب جديدة لن تكون حدودية هذه المرة، بل ستُغيّر خرائط القوة في المنطقة بأكملها.

لبنان اليوم ليس على هامش الحدث، بل في مركزه. كلّ خطوة خاطئة قد تُشعل حربًا لا يملك أحد ترف إيقافها. فالمعادلة اللبنانية الدقيقة التي قامت على توازن الرعب بين المقاومة والدولة، وبين الداخل والخارج، أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وفي ظلّ هذا المناخ الملبّد، تتحول التصريحات إلى قذائف سياسية، والرسائل الدبلوماسية إلى مقدمات ميدانية، وكأن العدّ التنازلي بدأ فعلاً لمرحلة جديدة في الصراع.

قد ينجو لبنان كما نجا دائمًا، بذكائه الجمعي وسخريته من القدر، لكنه هذه المرة يقف على حافة الهاوية. فالخيارات تضيق، والأصوات تتصاعد، والضغوط تتزايد. بين خيار الحرب وخيار التفاوض، يبدو أن المصير يُكتب من جديد على جدران بيروت بمداد الخوف والانتظار.

فهل يعود شبح الحرب ليحسم ما لم تحسمه السياسة؟ أم يُولد من رحم الانهيار مشروع تسويةٍ جديد؟ الجواب، كالعادة، مؤجلٌ إلى أن ينطفئ آخر ضوء في هذا البلد المعلّق بين السماء والرماد.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.