لا تزال أبواب الحوار موصدة بين الحكومة وتجمّع الروابط لموظفي القطاع العام والأساتذة والمتقاعدين من مدنيين وعسكريين، الذين نفّذوا اليوم الخميس إضراباً شاملاً. ويُتوقّع أن يُترجَم انسداد الأفق بينهم وبين السلطة بدءاً من الأسبوع المقبل عبر تصعيد التحرّكات في الشارع، كما أكّد لـ”بيروت 2030″ عضو الهيئة الإدارية في رابطة موظفي الإدارة العامة إبراهيم نحّال، مشدداً على أن “الحكومة اعتادت على سياسة عدم الحوار، وتذرّعت بأنها لا تملك الأموال لتلبية مطالبنا، في حين نعلم جيداً أنها تمتلك الموارد الكافية، وقد أشرنا إليها مراراً (كالأملاك البحرية والنهرية، والتهرّب الضريبي والجمركي…)”.
وأضاف: “لا وساطات بيننا وبين الحكومة لتقريب وجهات النظر. لدينا مطالب واضحة، ومن يرغب في الحوار على أساسها فأهلاً وسهلاً به. لسنا هواة إضرابات أو تظاهرات في الشارع، وبالرغم من الوضع القاتم الذي نعيشه نتمسّك بالتفاوض، ونريد تقديم الخدمات للمواطنين لأنها من واجباتنا الوطنية، لكن في المقابل لنا حقوق نصرّ على الحوار بشأنها”.
وختم: “الأسبوع المقبل سنبدأ بسلسلة تحرّكات على الأرض وسنعلن عنها تباعاً”.
تجدر الإشارة إلى أن تجمّع الروابط أصدر بياناً أكّد فيه أن “الأزمة المعيشية تشدّ الخناق على اللبنانيين، ولا سيّما المتقاعدين العسكريين والمدنيين والموظفين الدائمين والمتعاقدين، وكل ذوي الدخل المحدود. فقد تضاعفت الأسعار بالليرة اللبنانية وبالدولار الأميركي أيضاً، ولم تعد تنفع معها الترقيعات على الرواتب والمعاشات، ولا العطاءات من خارج الراتب على اختلاف تسمياتها (من إنتاجية ومنحة ومساعدة اجتماعية وبدل مثابرة وسواها)، إذ لا توازي إلا نحو 20 بالمئة من قيمتها التي كانت عليها عام 2019. هذا فضلاً عن أن التعويض العائلي بات يعادل أقل من ثلاثة دولارات أميركية شهرياً للزوجة وخمسة للأولاد”.
وأكّد التجمّع أن الأمر لا يستقيم إلا بإقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة تلبّي طموحات الموظفين والمتقاعدين، وتعيد الاعتبار إلى القيمة الشرائية للرواتب والمعاشات. وطالب برفع الرواتب والمعاشات لتصل إلى 50 بالمئة من القيمة التي كانت عليها قبل عام 2019 كحدّ أدنى، في مهلة أقصاها نهاية كانون الثاني 2026، مع تقسيط الـ50 بالمئة المتبقية بمعدل 10 بالمئة كل ستة أشهر، وبإنصاف جميع الذين أُحيلوا إلى التقاعد منذ عام 2019 في تعويضاتهم ومستحقاتهم المالية عن سنوات الخدمة التي تتجاوز الأربعين سنة”.
الإضراب ترجمة لانهيار العقد الاجتماعي
يعتبر مصدرٌ مختص لـ”بيروت 2030″ أن “الاشتباك المتكرّر بين الحكومة وموظفيها حول الرواتب، والذي يُعبَّر عنه بالإضرابات، يشكّل انعكاساً لانهيار ما تبقّى من العقد الاجتماعي وهيبة الدولة والعمل العام في لبنان”، مشدّداً على أن الحكومات المتعاقبة بعد الانهيار تعاملت مع مسألة الرواتب بالطريقة نفسها التي عالجت بها أزمة الودائع، أي بالاستنزاف والتجاهل حيناً، وبمنح زيادات انتقائية حيناً آخر، وهو ما يضرب أبسط قواعد الإنصاف والشفافية.
وأوضح المصدر أن “هذا الواقع دفع الموظفين إلى الانهيار معنوياً ومالياً، وإلى البحث عن عمل آخر إن سمح العمر بذلك، ولم يبقَ في القطاع العام إلا من فاته الوقت أو صعب عليه التغيير. والأسوأ أن حكومة الرئيس نواف سلام أرست داخل الإدارة طبقة من “الموظفين المحظوظين” الذين تمّ تعيينهم في الهيئات الناظمة ومستشاري الوزراء والرؤساء، برواتب تفوق غيرهم بتسع مرّات، في وقت تُستنزف فيه الكوادر ويزداد الشرخ عمقاً”.
ويختم المصدر: “إن إعادة الهيكلة وضبط الإنفاق وإصلاح نظام التقاعد ليست مجرد سياسات مالية، بل استثمار في بقاء الدولة وفي معنى المواطنة نفسها. هذه ليست مسألة تقنية ولا ترفاً إدارياً، بل ضرورة سياسية وشرط لبقاء لبنان دولة لا مجرّد مساحة جغرافية”.

أمل خليل
صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.
