من المسؤول عن انهيار لبنان: أمراء الحرب أم شعب أعاد انتخابهم؟

منذ بداية الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان يتكرر سؤال واحد في الشارع اللبناني: من أوصل البلاد إلى هذا المصير؟ هل هم أمراء الحرب الذين تحوّلوا إلى قادة سياسيين بعد الحرب الأهلية، أم الشعب الذي استمر في منحهم الشرعية عبر صناديق الاقتراع؟

الواقع أن الأزمة اللبنانية لم تكن وليدة لحظة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل من السياسات الفاشلة والتحالفات الطائفية والفساد المالي والإداري. فبعد انتهاء الحرب الأهلية، دخل العديد من قادة الميليشيات إلى مؤسسات الدولة، لكن الدولة نفسها لم تُبنَ على أسس حديثة أو عادلة، بل على نظام المحاصصة وتقاسم النفوذ بين الزعامات الطائفية.

على مدى عقود، تحوّلت مؤسسات الدولة إلى ساحات نفوذ للأحزاب والطوائف، وغابت المحاسبة الحقيقية. وفي الوقت الذي كانت فيه الديون تتراكم والاقتصاد يزداد هشاشة، استمرت الطبقة السياسية في إدارة البلاد بعقلية تقاسم المكاسب لا بناء المؤسسات. كما لعبت المنظومة المالية والمصرفية دورًا أساسيًا في تعميق الأزمة عبر نموذج اقتصادي قائم على الاستدانة والفوائد المرتفعة، إلى أن انهار النظام بالكامل وابتلعت الأزمة مدخرات المواطنين.

لكن تحميل المسؤولية للسياسيين وحدهم لا يقدّم الصورة كاملة. فجزء من اللبنانيين استمر في إعادة انتخاب القوى نفسها رغم فشلها الواضح. بالنسبة لكثيرين، لم يكن التصويت قائمًا على البرامج أو الكفاءة، بل على الولاء الطائفي والخوف من الآخر، أو على الحاجة إلى الخدمات التي يوفّرها الزعيم السياسي في ظل غياب الدولة.

ومع ذلك، يصعب اختزال موقف الشعب بالاتهام المباشر. فالمواطن اللبناني عاش لعقود داخل نظام يجعل الطائفة مصدر الأمان الوحيد، بينما بقيت الدولة ضعيفة وعاجزة عن تأمين أبسط الحقوق. كما أن الخوف من عودة الحرب الأهلية دفع كثيرين إلى التمسك بزعمائهم باعتبارهم “حماة الاستقرار”، حتى وإن كانوا جزءًا من الأزمة نفسها.

وبين سلطة سياسية فاسدة وشعب محاصر بالخوف والأزمات، دفع اللبنانيون الثمن الأكبر: انهيار العملة، ضياع الودائع، ارتفاع معدلات الفقر، وتحوّل الهجرة إلى حلم جماعي لدى آلاف الشباب.

في النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس فقط: “من المسؤول؟”، بل أيضًا: كيف يمكن كسر الحلقة التي أعادت إنتاج الأزمة مرة بعد أخرى؟

مقالات الكاتب

مارك الأعور

مغترب لبناني.