بينما تشهد بعض الدول تحركات قضائية لملاحقة ملفات الفساد واستعادة الأموال العامة، لا يزال لبنان يدور في الحلقة نفسها، حيث تتكرر الوعود بالإصلاح، فيما تبقى المحاسبة غائبة، وكأن الفساد قدر لا يمكن تغييره.
منذ سنوات، يسمع اللبنانيون عن مليارات هدرت، وصفقات أُبرمت، وأموال عامة ضاعت، ومؤسسات انهارت، واقتصاد وصل إلى حافة الإفلاس. ومع ذلك، لم يشهد اللبنانيون محاسبة تتناسب مع حجم الكارثة التي أصابت وطنهم. فمن دفع ثمن الانهيار كان المواطن، أما المسؤولية السياسية والقضائية فما زالت تراوح مكانها.
إذا كان العراق قد بدأ يرسل رسالة مفادها أن لا أحد يجب أن يكون فوق القانون، فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا لا يقدم لبنان على الخطوة نفسها؟ ولماذا تبقى ملفات الفساد حبيسة الأدراج، فيما تتآكل الدولة وتزداد معاناة المواطنين؟
إن استعادة الأموال المنهوبة ليست مطلبًا سياسيًا، بل حق وطني. وهي ليست وسيلة للانتقام أو لتصفية الحسابات، وإنما خطوة أساسية لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وترسيخ مبدأ أن المنصب العام مسؤولية، وليس امتيازًا أو حصانة دائمة.
لبنان لا يحتاج إلى خطابات جديدة عن الإصلاح، بل إلى أفعال. يحتاج إلى قضاء مستقل لا يخضع لأي ضغط، وإلى مؤسسات رقابية تمتلك الجرأة والصلاحية، وإلى قرار سياسي يضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والطائفية. فالدول لا تُبنى بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
لقد تعب اللبنانيون من سماع عبارة “سنحاسب الفاسدين”. ما يريدونه اليوم هو أن يروا المحاسبة تتحول إلى واقع، وأن تُفتح الملفات بشفافية، وأن يخضع كل من تثبت مسؤوليته للمساءلة، أيًا كان موقعه أو انتماؤه.
فالتاريخ لا يرحم الدول التي تحمي الفساد، والشعوب لا تنسى من أهدر ثرواتها أو تقاعس عن حماية مؤسساتها. وسيبقى السؤال قائمًا إلى أن يجد إجابته بالأفعال لا بالأقوال: متى يجلس الفاسدون في لبنان على مقاعد الاتهام، ومتى تعود الأموال العامة إلى أصحابها الحقيقيين… الشعب اللبناني؟

مارك الأعور
مغترب لبناني.
